تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الحملات التي شنها المبشرون وأعداء الإسلام على النبي تتركز في هذه القضية، وهي قضية باطلة؛ لأن النبي دعا إلى الإسلام أولا بالحكمة والموعظة الحسنة والمنطق، فلما وقف المشركون في طريقه وحاربوه اضطر أن يدافع عن نفسه ودينه، فقاتل قريشا وقاتل اليهود وقاتل الروم. ثم إن القتال - حتى في عصرنا الحاضر - هو الوسيلة الوحيدة التي تلجأ إليها الحكومات لإقرار الأنظمة والإصلاحات إذا قابلها الناس بالابتعاد عنها أو بالعنف، وهل يفل الحديد إلا الحديد؟! وقد شرع الإسلام الجهاد، فقال تعالى:

فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا .

وقال النبي

صلى الله عليه وسلم : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.» وهذا قول يقره المنطق والعقل؛ فإن الإسلام لم يأمر إلا بما أمرت كافة الشرائع والقوانين، وإن محمدا ما كان ملكا يطلب الحرب لأجل الحرب، بل نبيا رسولا طلبها لإقرار الأمن والسلام والسكينة على الأرض. وقد تجلت مواهب النبي العسكرية في غزواته؛ فقد كان شجاعا لا يهاب الموت، يسير في الصفوف بين صحابته، ويمارس الحرب ممارسة تدل على علو كعبه فيها. وقد كانت غزوة بدر هي المعركة الأولى التي تجلت فيها مواهبه العسكرية وحسن قيادته، ثم تتابعت الغزوات الكبرى التي علا فيها شأن الإسلام، والتي لم يخذل النبي في واحدة منها؛ وذلك لأنه كان ذا عبقرية عسكرية فائقة ليس فيها شيء من العسف ولا الظلم، إنها عبقرية ترضاها وتتطلبها البطولة في كل زمان ومكان، وسنرى في النقاط التالية تنظيماته العسكرية التي استطاع بها أن يقهر قوما يفوقونه عددا وعدة؛ لأنه

صلى الله عليه وسلم

لم يترك ناحية من النواحي التي يجب على قائد الجيش أن يهتم بها إلا اهتم بها ونظم جيشه بموجبها.

إمارة الجيش

لا بد للجيش من قائد يقوده وينظم خطط هجومه ودفاعه، وقد كان النبي الكريم يتولى ذلك بنفسه في الغزوات التي يخرج فيها بنفسه؛ لما حباه الله من شجاعة وبأس وذكاء وسياسة. وقد بلغت الغزوات التي قادها بنفسه وتولى الإمارة فيها ستا وعشرين موقعة، وقد اصطلح المؤرخون على تسمية كل معركة يكون النبي فيها «غزوة»، وكانت غزوة بدر الكبرى أجل تلك الغزوات وأكثرها فائدة للإسلام. وأما المعارك والوقائع التي لم يحضرها النبي، فكانت تسمى «سرايا»، وقد بلغت سراياه

صلى الله عليه وسلم

ستا وخمسين سرية.

ديوان الجيش

المشهور أن عمر بن الخطاب هو أول من نظم للجيش الإسلامي ديوانا تسجل فيه أسماء المجاهدين، بادئا بقريش وبطونها وأفخاذها، ثم بالقبائل الأخرى كل قبيلة على انفراد، وما ذلك إلا ليعلم عدد المقاتلة من كل قبيلة واستحقاقها وتنظيم موازنة الدفاع ومقدار العطايا وتقسيم الفيء على المسلمين، وسنرى تفصيل ذلك فيما بعد. ولم يتكلم أحد من مؤرخي السيرة النبوية على أن النبي نفسه قد أمر بإيجاد ديوان الجيش لتسجيل أسماء المجاهدين، مع أن البخاري روى في صحيحه بسنده إلى حذيفة بن اليمان أن النبي

صلى الله عليه وسلم

قال: «اكتبوا لي من يلفظ الإسلام من الناس.» وأن حذيفة قد كتب ذلك له

صلى الله عليه وسلم

فبلغوا وقتئذ ألفا وخمسمائة رجل. فهذا الحديث يدلنا على أن الرسول أمر باتخاذ هذا التقليد ليعرف عدد المقاتلين من أهل الإسلام، وقد رتب الرسول على المقاتلين من أهل الإسلام رؤساء عرفوا «بالعرفاء»؛ لأنه كان

صلى الله عليه وسلم

بهم يتعرف أحوال المجاهدين، وعريف كل قوم هو زعيمهم والقائم بأمورهم، وهو الواسطة بينهم وبين الأمير. ولا بد من إقامة العرفاء؛ لأن النبي أو الأمير لا يستطيع أن يتعرف بنفسه أحوال كل منهم، وقد حذر الرسول هؤلاء العرفاء من الوقوع في الخطأ أو الظلم أو التعدي على الرعية، وقد روي عنه «أن العرفاء في النار.» وهذا يشعر بأن الوظيفة وظيفة خطيرة، ويجب على صاحبها أن يكون أمينا صادقا عادلا. ومثل هؤلاء العرفاء «النقباء»، وقد جعلهم الرسول نقباء على قومهم يراقبون أحوالهم ويحلون من مشاكلهم ويطلعونه

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٥٦