وأما أمراء اليمن فأولهم «باذان» أو «باذام» الفارسي، وكان ملك اليمن في الجاهلية، وأسلم حين كتب إليه الرسول فأقره على عمله وبقي حتى مات بعد حجة الوداع، فولى ابنه شهرا مكانه. وبعث النبي إلى اليمن أمراء فقهاء، كأبي موسى الأشعري بعثه إلى زبيد وعدن، وولى «خالد بن الوليد» على صنعاء، و«المغافر بن أبي أمية» على كندة، و«زياد بن لبيد» على حضرموت، و«أبا سفيان» على نجران.
ومن أمراء المدن: «سعد بن عبد الله بن ربيعة» ولاه الطائف، و«غسان بن أبي العاص» ولاه على الطائف أيضا، و«العلاء بن الحضرمي» استعمله على البحرين، و«عمر بن حزم الأنصاري» استعمله على نجران، وأعطاه كتابا جامعا فيه من أحكام الإدارة والزكاة والديات والفرائض الشيء الكثير المفيد، و«عمرو بن سعيد بن العاص» ولاه وادي القرى، و«المنذر بن ساوي» ولاه على هجر، و«سواد بن غزية» ولاه على خيبر، و«عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي» ولاه الجند باليمن.
ومن أمراء القبائل «عمرو بن سبيع التغلبي» ولاه على بني تغلب وغطفان، و«الحارث بن بلال المازني» ولاه على جديلة من طيء، و«سعد الدوسي» ولاه على قومه دوس، و«سعيد بن خفاف التميمي» ولاه على بطون بني تميم ، و«صيفي بن عامر» ولاه على بني ثعلبة، و«الضحاك بن قيس» ولاه على قومه، و«امرؤ القيس بن الأصبغ الكلبي» ولاه على كلب، و«عكاشة بن ثور» ولاه على السكاسك والسكون. وقد أحصى الحافظ العراقي في ألفيته في السيرة النبوية أسماء أمرائه
صلى الله عليه وسلم
بقوله:
أمر باذان بلاد اليمن
ثم ابنه شهرا بصنعا يمن
وابن أبي أمية المهاجري
كندة ... إلخ ... (3-5) إمارة الحج
كان العرب في الجاهلية يحتفلون أشد الاحتفال بموسم الحج وبمشاعره، وكان يتولى إمارة الحج «كعب بن لؤي»، وكان إليه الإمارة والحجابة والسقاية والرفادة واللواء والندوة، ثم توارث أبناؤه هذه المفاخر إلى أن جاء الإسلام فأقرها، وأول أمير تولى إمارة الحج في الإسلام هو «عتاب بن أسيد» سنة ثمان للهجرة. وفي السنة التاسعة حج بالناس أبو بكر، وفي السنة العاشرة حج الرسول
صلى الله عليه وسلم
بالناس، وخطب فيهم خطبة الوداع. (3-6) الحجابة
كان المسجد النبوي هو مقر الحكومة؛ ففيه كان يجلس النبي للناس، وفيه كان يستقبل الوفود، وفيه كان مسكنه، في حجرات خاصة. وما كان الرسول ليحجب نفسه عن الناس إذا ما كان في المسجد، أما إذا دخل ليستريح أو ليختلي ببعض أهله أو خاصته، فكان له حاجب وآذن وبواب يقفون على بابه فرادى أو مجتمعين، لا يدخلون أحدا عليه
صلى الله عليه وسلم
إلا بعد الاستئذان.
وممن كان يتولى ذلك له
صلى الله عليه وسلم
أنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، ورباح الأسود، وربيعة بن كعب الأسلمي، ومهاجر مولى أم سلمة، وزيد بن حارثة، وأسامة بن زيد، وهلال بن يسار، وغيرهم من مواليه وخدمه. فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: «جاء أبو بكر يستأذن على رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فوجد الناس جلسوا ببابه ولم يؤذن لهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له ...» وفي المواهب اللدنية: «ومن تواضعه - عليه السلام - أنه لم يكن له بواب راتب، ثم ذكر حديث البخاري المروي عن أنس بن مالك، قال: مر النبي
صلى الله عليه وسلم
بامرأة تبكي على قبر فقال: «اتقي الله واصبري.» قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي. ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي
صلى الله عليه وسلم . فأتت باب النبي
صلى الله عليه وسلم
فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك. فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى.» وقد علق الزرقاني شارح المواهب اللدنية على هذا الحديث بقوله: فلا ينافي وجود بواب أحيانا لأمر ما.»
85
والحق أن النبي الكريم كان يتخذ الحجاب والبوابين في الأوقات التي يريد أن يخلو فيها إلى نفسه، أو إلى بعض الوفود ممن لا يريد أن تكثر عليه الناس في محضرهم، وهذا أمر من أمور السياسة الحكيمة، ومنهج من مناهج الاجتماع المدني الرشيد. (3-7) صاحب الخاتم