لا شك في أن العرب في جاهليتهم كانوا يتخذون الأختام يوقعون بها وثائق بيوعاتهم وصكوك معاملاتهم، ونحن وإن كنا لم نعثر على نصوص متعلقة بذلك، ولا على نماذج من تلك الأختام في الحفريات حتى الآن، إلا أن بعض المؤرخين ورجال السير يذكرون أن الرسول كتب إلى ملوك عصره قبل أن يتخذ الخاتم؛ فقد روى البخاري عن أنس قال: لما أراد رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لن يقرءوا كتابك إذا لم يكن مختوما، فاتخذ خاتما من فضة ونقشه «محمد رسول الله»، فكأنما ننظر إلى بياضه في يده
صلى الله عليه وسلم . وأخرج الترمذي في الشمائل المحمدية عن أنس أيضا قال: كان خاتم النبي
صلى الله عليه وسلم «محمد» سطر و«رسول» سطر و«الله» سطر. وقال البخاري: إن فصه كان منه. وفي سنن أبي داود والنسائي أنه كان من حديد، ملونا عليه فضة.
وكان الذي يتولى العمل بالخاتم النبوي يوقع به ويعيده إليه «معيقب بن أبي فاطمة» و«حنظلة بن الربيع بن المربع بن صيفي» ابن أخي أكثم بن صيفي.
86
وفي الكتاب الذي بعثه إلى المنذر بن ساوي، والذي عثر عليه صورة الختم النبوي هكذا: ، وكذلك هو في كتاب المقوقس الذي عثر عليه أيضا.
87
وهذا يؤكد ما روي من أن كتابة الختم لم تكن على الترتيب العادي «محمد رسول الله» كما ذكره الحافظ ابن كثير في تاريخه. (3-8) المحتسب
الحسبة وظيفة شرعية تتصل بالقضاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتصالا وثيقا، وقد أمر الرسول كل فرد أن ينصب نفسه محتسبا يحاسب كل من يتعدى على حقوق الآخرين، أو يفسد عليهم طرقاتهم وأسواقهم، ولكن الرسول الحكيم عرف أن الناس هم الناس، وأنه لا بد لهم من وازع يزعهم، ويكون ذا سلطة حتى تكون كلمته مسموعة وإرشاداته متقبلة وتهديداته مخيفة. وقد كان الرسول يتولى ذلك بنفسه، فإذا رأى منكرا أو فسادا أو تعديا على حقوق السابلة أو المشترين، أزال ذلك بيده، وعاقب كل من يعبث بحقوق الناس، وكذلك فعل الخلفاء من بعده. وقد روى الترمذي عن أبي هريرة أن الرسول مر على صرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: «يا صاحب الطعام، ما هذا؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: «أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟» ثم قال: «من غشنا فليس منا.» ويظهر أن الرسول قد عرف بوجود نفر لا يتورعون عن غش الناس على الرغم من كثرة مراقبته ووجوده بين ظهرانيهم، ورأى بسديد عقله أن لا بد من تنصيب إنسان خاص يراقب أمور الأسواق والطرقات، ويحاسب المتعدين على أعمالهم المخالفة للمصلحة العامة أو لروح الشرع الإسلامي؛ فقد بلغ الرسول أن جماعة من تجار المدينة كانوا يتلقون ركبان التجار وأرباب البضائع من خارج المدينة، فيشترون بضائعهم ويغررون بهم بالأسعار دون أن يعرفوا حقيقة الأسعار في سوق المدينة، فيأخذون البضائع بالرخيص عن أثمانها الحقيقية، ويبيعونها للناس بأكثر من أسعارها، ويربحون أرباحا فاحشة، فنهى عن ذلك، وحرم تلقي الركبان التجار. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر: أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله، فبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام. ولما وجد
صلى الله عليه وسلم
أنهم لا يمتثلون أمره ولم ينتهوا عن ذلك أمر بضربهم ومقاصصتهم، قال في الجامع الصحيح: عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: رأينا الذين يبيعون الطعام مجازفة - أي بلا كيل ولا وزن ولا عدد - يضربون على عهد رسول الله أن يبيعوه حتى يذهبوا به إلى رحالهم. وقال ابن عبد البر: استعمل رسول الله
صلى الله عليه وسلم
سعيد بن سعيد بن العاص بعد الفتح على سوق مكة،
88
وعمر بن الخطاب على سوق المدينة،
89
وكانت لعمر درة من جلد يضرب بها الناس ويؤدبهم.