تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم ، فقد ذكرت كتب تراجم الصحابة أن حذيفة كان صاحب سر رسول الله، ويروي النسائي في السنن في قصته ذهاب علقمة للشام ولقائه في دمشق لأبي الدرداء، أن أبا الدرداء قال له: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ وقال في أسد الغابة: حذيفة صاحب سر رسول الله في المنافقين، لم يعلمهم أحد إلا حذيفة، أعلمه بهم رسول الله

صلى الله عليه وسلم . وسأله عمر: أفي عمالي أحد من المنافقين؟ قال: «نعم، واحد.» قال: من هو؟ قال: «لا أذكره.» قال حذيفة: فعزله فكأنما دل عليه. وكان عمر إذا ما مات ميت يسأل عن حذيفة، فإذا حضر الصلاة عليه صلى عليه عمر، وإلا لم يصل عليه. ولاه عمر على المدائن، فكانت عادة عمر إذا استعمل عاملا كتب في عهده: «بعثت فلانا وأمرته بكذا.» فلما استعمل حذيفة كتب في عهده: «اسمعوا له وأطيعوه وأعطوه ما سألكم.» فلما وصل المدائن استقبله الدهاقين فقرأ عهده فقالوا: سلنا ما شئت. فطلب ما يكفيه من القوت، وأقام بينهم فأصلح بلادهم وفتح نهاوند سنة 22ه صلحا، وغزا الدينور وماه سبذان وهمذان والري. ثم استقدمه عمر، فلما قرب من المدينة خرج للقائه وعانقه وسر بحالته، ثم أعاده إلى المدائن إلى أن مات فيها، وله في صحيح البخاري ومسلم نحو من 225 حديثا.

69 (3-3) الكتابة

اتخذ النبي لنفسه كتابا متعددين؛ منهم من اختصه بكتابة الوحي، ومنهم من كان يكتب له الرسائل، ومنهم من كان يكتب إلى الأمراء في البوادي، ومنهم من كان يكتب له الإقطاع وكتب العهود والصلح، ومنهم من كان يكتب له أموره الخصوصية. وقد روى بعض مؤلفي السير وكتب الحديث أنه

صلى الله عليه وسلم

كان يوصي كتابه ببعض الوصايا المتعلقة بشئون الكتابة؛ فقد ذكر السيوطي في آخر كتاب «بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة» حديثا مسلسلا بالكتاب من طريق عبد الحميد بن يحيى الكاتب، إلى سالم بن هشام الكاتب، إلى عبد الملك بن مروان الكاتب، إلى زيد بن ثابت كاتب رسول الله: أن رسول الله قال له: «إذا كتبت «بسم الله الرحمن الرحيم» فبين «السين» فيه.» وفي «صبح الأعشى» و«الجامع الصغير» وغيرهما عن أنس بن مالك أن معاوية كان يكتب للنبي، فكان إذا رأى من النبي إعراضا وضع القلم في فيه، فنظر إليه النبي فقال: «يا معاوية، إذا كنت كاتبا فضع القلم على أذنك؛ فإنه أذكر لك للمملي.» وأنه قال مرة لمعاوية حين كان يكتب بين يديه: «ألق «الدواة» وحرف «القلم» وأقم «الباء» وجرس «السين» ولا تعور «الميم» وحسن «الله» ومد «الرحمن» وجود «الرحيم».» وأنه ندب الكتاب إلى تتريب الكتاب، قال: «تربوا الكتاب ونحوه من أسفله؛ فإنه أعظم للبركة وأنجح للحاجة.»

70

وقد ألف فيهم جماعة من العلماء؛ منهم القضاعي المؤرخ، ومنهم عمر بن شبة، ومنهم محمد بن علي بن أحمد بن حديدة، واسم كتابه «المصباح المضي في كتاب النبي وفي رسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي»، فرغ منه «سنة 679ه» بمصر، ومنهم الجمال الأنصاري، ومنهم ابن أبي الجعد.

71

فأما كتابة الوحي

فقد كان يكتبها له

صلى الله عليه وسلم

عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، فإن غاب علي كتبها له أبي بن كعب أو يزيد بن ثابت. وفي الاستيعاب لابن عبد البر: وكان أبي بن كعب ممن كتب لرسول الله

صلى الله عليه وسلم

الوحي قبل زيد بن ثابت ومعه، وكان زيد ألزم الصحابة لكتابة الوحي، وكان أبي إذا لم يحضر دعا الرسول زيد بن ثابت.

72

وقال القضاعي: فإن لم يحضر أحد منهم كتب الوحي من حضر من الكتاب؛ وهم: معاوية بن أبي سفيان، وجابر بن سعيد بن العاص، وأبان بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، وحنظلة بن الربيع. وكان عبد الله بن سعيد بن أبي سرح يكتب الوحي، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، فلما فتحت مكة استأمن له عثمان بن عفان، فأمنه رسول الله وحسن إسلامه. وممن كان يكتب له أيضا أبو بكر، وعمر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وثابت بن قيس، وخالد بن سعيد، وأخوه حبان، وحنظلة بن أبي عامر الأسدي، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، والزبير بن العوام، ومعيقب بن أبي فاطمة الدوسي، والمغيرة بن شعبة، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وجهيم بن الصلت، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسيلمة. قال الكتاني: وأوصلهم القرطبي في تفسيره إلى ستة وعشرين، وأوصلهم الشبراملي في كتاب القضاء من حاشية على المنهج في فقه الشافعية إلى أربعين، وأوصلهم العراقي إلى اثنين وأربعين فقال:

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٤٩