تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

65

والحق أن الناس قد ظلموا التاريخ العربي والسيرة النبوية بكتاباتهم المرتجلة وبحوثهم المبتسرة، التي لم تقم على البحث المتواصل والجد والتنقيب عن الحقائق العلمية والتاريخية؛ لتعرف أصول الإدارة الديوانية والإدارية في حكومة النبي الكريم وصحابته الراشدين. وقد آليت على نفسي تقصي هذا البحث ودراسته دراسة عميقة أهتدي بها إلى معرفة حقائق الأشياء، لا لأني عربي معتز بعروبتي وقوميتي، ولا لأني مسلم مؤمن بسمو ديني وشرف رسالة نبي؛ بل لأني إنسان محب للحق منقب عن الفضائل جاهد في إدامة البحث، مواصل الليل بالنهار للتنقيب عن القضايا العلمية والنظريات الجوهرية. وقد هداني الله بحوله وقوته إلى ذلك، فاستطعت أن أتبين الخطوط الأولى للإدارة الإسلامية في فجر الإسلام، ورتبت ذلك ترتيبا لم يسبقني إليه باحث من مسلمي هذا العصر ولا مستشرقيه، على أنني لم أدع أنني وفيت البحث، وما عملي إلا لبنة في بناء المجد العربي والعز الإسلامي، وأرجو الله أن يهيئ لهذا البناء من يكمله ويعمل على حفظه وحمايته.

رتب الرسول الكريم شئون حكومته الإدارية والديوانية ترتيبا منطقيا يؤيده العقل السليم وتوحيه الفطرة الصافية، ويتجلى ذلك الترتيب في معالجته للشئون الآتية وإسنادها إلى الأكفاء الأخيار من الصحابة؛ وهي ... (3-1) الوزارة

الوزير في اللغة: هو المعين والعضد، وفي الاصطلاح: هو من يؤازر الأمير أو السلطان، ويحمل عنه بعض أثقال الإمارة وشئون السلطان. وفي القرآن الكريم يقول موسى في حق أخيه هارون:

واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري . وقد أكثر مؤرخو الإسلام والأحكام السلطانية وكتاب الخطط من الكلام في الوزارة وأنواعها ومبدئها، وهم يذهبون إلى أن أول من تلقب بذلك أبو سلمة الخلال، الذي كان يلقب في أولية الدولة العباسية: وزير آل محمد، وأن الوزارة تسلسلت في ملك آل العباس بعدئذ. والحق أن النبي قد استعان ببعض كبار الصحابة وجلة المسلمين ممن كانوا يوآزرونه في مسائل الدنيا والدين وحل مشاكل المسلمين، وكان على رأس هؤلاء أبو بكر وعمر اللذان كانا يلقبان بوزيري النبي. وقد كان هذا اللقب مستعملا بمعناه المفهوم اليوم في عهد النبي؛ فقد روى النسائي عن عائشة أن النبي

صلى الله عليه وسلم

قال: من ولي منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا، فإن نسي ذكره، وإن ذكره أعانه. وقال أبو داود في سننه، في باب الوزير: روت عائشة أن النبي قال: «إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل الله له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكره أعانه، وإن أراد الله به غير ذلك جعل له وزيرا سيئا، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه.»

66

وقد كان للنبي وزراء يشاورهم في القضايا المهمة أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابنيه وحمزة وجعفر وأبي ذر والمقداد وسلمان وحذيفة وابن مسعود وعمار.

67

وقال ابن خلدون: الوزارة أم الخطط السلطانية والرتب الحكومية؛ لأن اسمها يدل على مطلق الإعانة ... وكان

صلى الله عليه وسلم

يشاور أصحابه ويفاوضهم في مهامه العامة والخاصة، يخص من ذلك أبا بكر بخصوصيات أخرى، حتى كان العرب الذين عرفوا الدول ودخلوا لها في كسرى وقيصر والنجاشي يسمون أبا بكر وزيره.

68

وهكذا كان عمر مع أبي بكر، وعثمان وعلي مع عمر، ولكن الاسم لم يطلق عليهم، ولا كانوا ينادون به. (3-2) أمانة السر

اتخذ النبي لنفسه صاحب سر يكاشفه بالأسرار الدولية والقضايا الخاصة التي لا يطلع عليها أحد غيره، ولا غرو فإن النبي كما كانت له صفة النبوة التي تستدعي العصمة عن الخطأ، كان إنسانا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقوم بأعمال البشر ويتصرف بتصرفاتهم، وهو عرضة لكل ما هو للناس من نسيان وخطأ وما إلى ذلك. وقد اتخذ - عليه السلام - في تنظيم شئون الدولة الدنيوية بما تحتاج إليه من مرافق ومقتضيات، كما اعتمد في شئون الدين على ذات الإله سبحانه. وليس بغريب أن يرتب - عليه الصلاة والسلام - لأمور الدنيا ما تقوم به على أحسن وجه، ومن تلك الأمور اختياره طائفة من عقلاء الصحابة وفضلائهم - لأن الصحابة بلا شك كانوا مختلفي الدرجات العقلية والملكات الفكرية والمواهب العلمية - ليكاشفهم ببعض الأسرار التي يرى ألا يطلع عليها غيرهم، فيستفيد بمواهبهم وملكاتهم وعقولهم، ويستعين بذلك على حل بعض المشاكل الدنيوية، أو يتوصل إلى قضاء بعض ما كربه. ومن هؤلاء الرجال أبو بكر وعمر وعلي وسلمان وحذيفة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ومصعب وغيرهم. فقد عرف مواهب كل واحد من كبار صحابته، وكان يفضي إليه بما يرى عنده سواء أكان علما يستعين به أو خطة يتمكن بها لتفهم بعض القضايا أو طريقة للوصول إلى حلها. ويظهر أن النبي كان يختص من هؤلاء الرجال المأمونين رجلا يرى فيه الخير ويتوسم فيه حفظ السر؛ وهو الصحابي الجليل أبو حذيفة بن اليمان العبسي (-36ه)، الذي كان يعرف بصاحب سر رسول الله

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٤٨