فقال له جبلة: إني والله لوددت أن الناس أجمعوا على هذا النبي الأمي اجتماعهم على خالق السماوات والأرض، ولقد سرني اجتماع قومي له، وأعجبني قتله أهل الأوثان واليهود، واستبقاؤه النصارى، ولقد دعاني قيصر إلى قتال أصحابه يوم مؤتة فأبيت عليه، فانتدب مالك بن ناقلة من سعد العشيرة فقتله الله، وسأنظر.
51
المهاجر بن أبي أمية المخزومي (-؟)
وكان من عقلاء العرب ودهاتهم وشجعانهم وتجارهم. بعثه إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن، فلما قدم عليه قال له: يا حارث، إنك كنت أول من عرض عليه النبي
صلى الله عليه وسلم
نفسه فخطئت عنه، وأنت أعظم الملوك قدرا، فإذا نظرت في غلبة الملوك فانظر في غالب الملوك، وإذا سرك يومك فخف غدك، وقد كان قبلك ملوك ذهبت آثارها وبقيت أخبارها، عاشوا طويلا وأملوا بعيدا وتزودوا قليلا، منهم من أدركه الموت، ومنهم من أكلته النقم، وإني أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى لم يمنعك، وإن أرادك لم يمنعه منك، وأدعوك إلى النبي الأمي الذي ليس له شيء أحسن مما يأمر به، ولا أقبح مما ينهى عنه. واعلم أن لك ربا يميت الحي ويحيي الميت، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
فقال الحارث: قد كان هذا النبي عرض نفسه علي فخطئت عنه، وكان ذخرا لمن صار إليه، وكان أمره أمرا سبق فحضره اليأس وغاب عنه الطمع، ولم يكن لي قرابة أحتمله عليها، ولا لي فيه هوى أتبعه، غير أني أرى أمرا لم يوسوسه الكذب ولم يسنده الباطل، له بدء سار وعاقبة نافعة، وسأنظر.
52
وهناك سفراء آخرون تطول أخبارهم منهم:
عبد الله بن حذافة السهمي:
بعثه إلى كسرى ملك الفرس.
وعمرو بن أمية الضمري:
بعثه إلى النجاشي.
وسليط بن عمرو السليطي:
بعثه إلى ثمامة بن أثال ملك اليمامة.
شجاع الأسدي:
بعثه إلى الحارث الغساني ملك البلقاء.
وكان بعث الرسول هؤلاء السفراء في محرم من السنة السابعة للهجرة.
53 (2-3) الرسالة
كما كان للرسول سفراء بعث بهم إلى الملوك والأمراء في عصره، كانت له رسل بعث بهم لتبليغ بعض رسائله التي تتضمن الدعوة إلى الإسلام، أو إلى عقد الصلح، أو تبليغ بعض الأخبار الدينية أو السياسية. ومن رسله حراش بن أمية الخزاعي؛ بعث به إلى قريش بمكة، وحمله على بعير له، وأمره أن يبلغ أشرافهم ما جاء به؛ فعقروا جمل الرسول وأرادوا قتله، فمنعهم الأحابيش وخلوا سبيله، ثم أرسل المصطفى
صلى الله عليه وسلم
في ذلك عثمان بن عفان بإشارة عمر بن الخطاب، فبلغ ما أراد ونجا.
54
وروى ابن عبد البر في الاستيعاب أن النبي
صلى الله عليه وسلم
أرسل عمرو بن أمية الضمري إلى أبي سفيان، وبعث معه بهدية إلى مكة، ويروي أبو عبيد القاسم بن سلام أن هذه الهدية كانت تمر عجوة، وأن النبي كتب إلى أبي سفيان يستهديه أدما، فأهداه إليه أبو سفيان، وكان ذلك أيام الهدنة بين الرسول
صلى الله عليه وسلم
وبين أهل مكة قبل فتحها.
55
وهذا يدلنا على حسن سياسة النبي، وأنه على الرغم من الخصومة الشديدة التي كانت بين النبي وبين قريش، فإن هذا لم يمنعه من أن يتلطف مع أبي سفيان رئيس قريش، فيهدي إليه ويستهديه، وفي هذا ما فيه من براعة النبي الكريم وكياسته. وقد كان الرسول
صلى الله عليه وسلم
يحسن استقبال الرسل الذين يجيئون إليه ويتلطف معهم؛ فقد روى ابن حجر في الإصابة في ترجمة مسعود بن سعد الجذامي أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست، أرسل رسله إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام ... ثم ذكر القصة، وفيها: أن فروة كان عاملا لقيصر على عمان من البلقاء، فكتب فروة إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
بإسلامه، وأرسل إليه بهدية مع رجل من قومه يقال له مسعود بن سعد، فقرأ الرسول كتابه وقبل هديته، وأجاز رسوله بخمسمائة درهم.
56
وهذا يدلنا على حسن تلقي النبي لرسل غيره وإجازتهم. (2-4) الترجمة