وكما اهتم الرسول بأمر السفراء والرسل، كذلك اهتم باللغات الأجنبية للكتابة إلى أربابها بلغاتها، وإبلاغهم رسالة ربه تعالى بها. وفي كتاب التراتيب الإدارية بحث مفصل في معرفة النبي للغات الأجنبية ومناقشة النظرية القائلة بأن النبي
صلى الله عليه وسلم
أرسل إلى جميع البشر، وأن القرآن يقول:
وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه . فهذا يقضي كونه - عليه الصلاة والسلام - يعرف غير اللغة العربية. ونحن - على الرغم من ضعف حجج القائلين بمعرفة النبي للغات الأقوام والملوك الذين كاتبهم ودعاهم إلى الإسلام - نعتقد بأن النبي - عليه السلام - قد أوصى بعض أصحابه بتعلم بعض اللغات الأجنبية من فارسية ورومية وحبشية وعبرية وسريانية؛ لشدة حاجة الدعوة الإسلامية إليها، وقد احتاج النبي إلى تراجمة يترجمون له ما يكتب إليه بهذه اللغات. وقد تواترت الأقوال أنه
صلى الله عليه وسلم
طلب إلى زيد بن ثابت أن يتعلم كتابة العبرية أو السريانية؛ فقد ذكر ابن حجر في ترجمة زيد: أن زيدا كان من علماء الصحابة وفضلائهم، وأنه الذي جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر حين قال له: إنك شاب عاقل لا نتهمك. وإنه أتى النبي
صلى الله عليه وسلم
حين قدم المدينة، فقرأ عليه سبع عشرة سورة من القرآن كان يحفظها، فأعجبه وقربه، ثم قال له: «تعلم كتاب اليهود؛ فإني ما آمنهم على كتابي.» قال زيد: ففعلت، فما مضى نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له.
57
ويروى أنه أمره بتعلم السريانية أيضا، وأنه تعلمها في سبعة عشر يوما؛ ففي الاستيعاب لابن عبد البر أنه كانت ترد على رسول الله
صلى الله عليه وسلم
كتب بالسريانية، فأمر زيد بن ثابت بتعلمها فتعلمها في بضعة عشر يوما. وفي مختصر الطحاوي: عن زيد بن ثابت قال: قال لي رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «أتحسن السريانية؟ إنه تأتيني كتب.» قال: قلت: لا. قال: فتعلمتها في تسعة عشر يوما. وفي الأحكام الصغرى ذكر أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «إنه تأتيني كتب من أناس لا أحب أن يقرأهن كل واحد، فهل تستطيع أن تتعلم السريانية؟» قال: قلت: نعم. فتعلمتها في سبعة عشر يوما.
58
ويذكر الكتاني والخزاعي
59
أن زيد بن ثابت الأنصاري النجاري كان يكتب للملوك ويجيب بحضرة النبي
صلى الله عليه وسلم ، وكان ترجمانه بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن، وقد نقل ذلك التلمساني في «العمدة»، وابن هشام في «البهجة»، ويذكر صاحب العقد أن زيدا تعلم الفارسية من رسول كسرى، والرومية من حاجب النبي
صلى الله عليه وسلم ، والحبشية من خادم النبي، والقبطية من خادمته.
60
ويذكر ابن عساكر في تاريخه: أن الرسول قال له: «إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل واحد، فهل تستطيع أن تتعلم كتاب العبرانية؟» أو قال: السريانية. فقلت: نعم. قال: فتعلمتها في سبع عشر ليلة.
61
وتخلص من هذه الأقوال والروايات كلها أن زيدا تعلم بعض اللغات الأجنبية بأمر الرسول، وأكثر الروايات على أنها عبرية، وأنه تعلمها في مدراس يهودي يسمى مدراس ماسكة.
62
ومهما يكن من شيء، فإن الرسول اهتم بهذه الناحية لحاجته الشديدة إلى الكتابة باللغات الأجنبية، ولا شك في أنه كان يستعين ببعض صحابته من أرباب تلك اللغات؛ كصهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي، وأنه أمر بعض الشبان من أذكياء الصحابة أن يتعلموا بعض اللغات الأجنبية التي لم يكن بين الصحابة من يعرفها أو يحسن الكتابة بها؛ كالعربية أو السريانية. (3) الشئون الديوانية الإدارية
نظم الرسول الكريم شئون حكومته الإدارية والديوانية تنظيما كاملا بعد أن استقر أمره في المدينة، وقد اتخذ المسجد مقر حكومته يحكم فيه، ويتقبل زيارة الوفود، ويفصل فيه بين الناس، ويعلمهم أمور دنياهم، ويفقههم في أمور دينهم. ولم يكن تنظيم النبي الكريم لأمور الدولة تنظيما ناقصا كما يزعم ابن خلدون في مواضع كثيرة من مقدمته، ومنها قوله في الفصل الذي عنوانه (انتقال الدولة من البداوة إلى الحضارة): اعلم أن هذه الأطوار طبيعية للدول؛ فإن الغلب الذي يكون به الملك إنما هو بالعصبية وما يتبعها من شدة البأس وتعود الافتراس، ولا يكون ذلك غالبا إلا مع البداوة؛ فطور الدولة من أولها بداوة، ثم إذا حصل الملك تبعه الرفه واتساع الأحوال. والحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه ... ومثل هذا وقع للعرب لما كان الفتح، وملكوا فارس والروم، واستخدموا بناتهم وأبناءهم، ولم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة حتى حكي أنه قدم لهم المرقق، فكانوا يحسبونه رقاعا، وعثروا على الكافور في خزائن كسرى فاستعملوه في عجينهم ملحا ...