تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد حفظ لنا الدهر بعض تلك الوثائق الهامة، كالوثيقة التي وجدها المستشرق الفرنسي بارتيلمي في كنيسة قرب إخميم في مصر، وهي التي بعث بها النبي إلى المقوقس، والوثيقة التي نشرها المستشرق الألماني فلايشر، ونشرها وهي تتضمن كتاب الرسول إلى المنذر بن ساوي، والوثيقة التي عثر عليها المستشرق الإنكليزي دنلوب وهي تتضمن رسالة النبي إلى النجاشي.

43

على أن كتب الوثائق والتاريخ والحديث والسيرة قد حفظت لنا نصوص كثير من الوثائق، وقد جمعها الأستاذ المحقق الهندي محمد حميد الله الحيدرأبادي في كتابه القيم «مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة».

44

ومما جاء في مقدمة هذا الكتاب قوله: كان عصر النبي

صلى الله عليه وسلم

قبل الهجرة عصر تمهيد وتجربة، ولا يصح أن يقال: إن الجماعة الإسلامية بمكة كانت حينئذ دولة من الدول؛ فإنه لم يكن لها كيان سياسي ولا نظام إداري، ولا تصادف في هذا العهد ما يطلق عليه اسم السياسة الخارجية سوى بيعتي العقبة اللتين أسستا بنيان الدولة الإسلامية، وكان لهما أثر عظيم فيما بعد، إلا أنهما لم تكتبا في قرطاس، ولم تؤخذا إلا سرا. وهاتان البيعتان تتعلقان بروابط المسلمين مع أهل المدينة، وكان فيهما وضع الدستور الأساسي (يريد بذلك وثيقة المدينة التي ذكرناها في الباب الخامس). ولما هاجر الرسول

صلى الله عليه وسلم

إلى المدينة وجد هناك عدة قبائل يهودية فعاهدهم فدخلوا في دولة وفاقية

Fédération

تحت رياسة محمد

صلى الله عليه وسلم ... وكانت هجرة مسلمي مكة وإقامة دولة إسلامية في المدينة سببا لتوتر العلائق بين المسلمين وقريش، فنشأت بينهما وقائع بدر وأحد والخندق والحديبية وفتح مكة ... ولم تبدأ علائق المسلمين السياسية مع الروم والفرس ومن تحتهم من الحبشة والغساسنة وأهل البحرين وعمان واليمن، والبحرين ونجران وحضرموت ومهرة وغيرها إلا بعد الحديبية ... ومن المعروف أن قيصر الروم وكسرى الفرس لما دعاهما الرسول

صلى الله عليه وسلم

إلى الإسلام أبيا وردا دعوته، فكتب النبي

صلى الله عليه وسلم

رأسا إلى الملوك والأمراء الذين تحت سيطرة هذين العظيمين، فمنهم من أجاب فأفلح، ومنهم من أدبر فهلك.

45

وقد ضمن الأستاذ الحيدرأبادي وثائق النبي ومعاهدات الدعوة الإسلامية وتجديد المعاهدات القديمة، وذكر عهود تولية العمال مع ذكر واجباتهم، كما ذكر عهود الأراضي وكتب الأمان والتوصيات، وبذل في جمع ذلك جهدا يدل على فضل وإيمان. وقد كشف لنا بعمله هذا - جزاه الله خيرا - عن كثير من النواحي السياسية والطرق التي اتبعها الرسول الكريم في كتابة وثائقه وعهود مبايعته ورسائله. (2-2) السفارة

كان الرسول يختار لسفارته أناسا من أعقل الصحابة وأجملهم صورة وأحسنهم حديثا وأطلقهم لسانا وقوة حجة، وكان إذا أرسل سفيرا قال لهم: «بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا، وتشاوروا وتطاوعوا.»

46

ومن سفراء الرسول الذين بعثهم إلى ملوك عصره وأمرائه: دحية بن خليفة الكلبي (-45) وكان عاقلا لبيبا جميل الصورة بعثه إلى قيصر، فلما دخل عليه قال له: يا قيصر، أرسلني من هو خير منك، والذي أرسله هو خير منه ومنك، فاسمع بذل ثم أجب بنصح، فإنك إن لم تذلل لم تفهم، وإن لم تنصح لم تنصف. قال: هات. قال: هل تعلم أكان المسيح يصلي؟ قال: نعم. قال: فإني أدعوك إلى من كان المسيح يصلي له، وأدعوك إلى من دبر خلق السماوات والأرض والمسيح في بطن أمه، وأدعوك إلى هذا النبي الأمي الذي بشر به موسى، وبشر به عيسى بن مريم، وعندك من ذلك أثارة من علم تكفي عن العيان، وتشفي من الخبر، فإن أجبت كانت لك الدنيا والآخرة، وإلا ذهبت عنك الآخرة وشوركت في الدنيا، واعلم أن لك ربا يقصم الجبابرة ويغير النعم.

فأخذ القيصر الكتاب ووضعه على عينيه ورأسه وقبله، ثم قال: أما والله ما تركت كتابا إلا وقرأته، ولا عالما إلا وسألته، فما رأيت إلا خيرا، فأمهلني حتى أنظر من كان المسيح يصلي له، فإني أكره أن أجيبك اليوم بأمر أرى غدا ما هو أحسن فأرجع عنه فيضرني ذلك ولا ينفع، أقم حتى أنظر. فلم يلبث أن أتاه وفاة النبي

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٤٣