تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن سياسات النبي الحكيمة: صلح الحديبية والعقد الذي عقده مع أهل مكة، وهو هذا:

باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشرين سنة يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من قدم مكة من أصحاب مكة حاجا أو معتمرا أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر والشام يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال،

40

وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخله، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه (فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده. وقالت بنو بكر: نحن في عقد قريش وعهدهم)، وإنك ترجع علينا عامك فلا تدخل مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنها فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب، السيوف في القرب، ولا تدخلها بغيرها. وأشهد على هذا الصلح رجال المسلمين ورجال المشركين وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمان بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، ومكرز بن حفص و... من المشركين وعلي بن أبي طالب وكتب ...

41

وهذه المعاهدة تدل على أن الرسول

صلى الله عليه وسلم

إنما هادن القوم وقبل بما تضمنه بعض بنودها من القسوة على المسلمين؛ لأنه رأى أن الكفة راجحة وقتئذ مع قريش، فجاراهم ليأمن على أموال المسلمين ودمائهم. ونحن إذا دققنا في رسائله السياسية التي بعث بها إلى الملوك والأمراء والتي سنراها بعد، نطلع على جانب من السياسة العملية التي سلكها النبي الكريم في خارج الجزيرة العربية بعد أن استقرت له الأمور في بلاد العرب.

ومن مظاهر سياسة النبي الكريم اعتناؤه ببعض الشئون التي تتعلق بالسياسة، كأعمال التوثيق والمعاهدات والمبايعات وانتقاء السفراء ورسل الصلح أو الرسل عامة، والتراجمة ... وما إلى ذلك من شئون السياسة، مما سنبينه بعد! (2-1) التوثيق ... والمبايعة

التوثيق أو التثبيت: هو أن يعمد المتعاهدان إلى تثبيت تعاهدهما وتحالفهما بالكتابة والتوقيع. والمبايعة: هي أن يتعاهد الرجلان على أمر يتفقان على الإخلاص له والتفاني فيه. قال ابن الأثير في شرح قوله

صلى الله عليه وسلم : «ألا تبايعوني على الإسلام؟» إن المبايعة هي عبارة عن المعاهدة على الإسلام، والمعاهدة كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره.

42

وقد كان الرسول يبايع الرجال والنساء، يضع يده في أيدي الرجال يعاهدهم ويعاهدونه على الإسلام ونصرته والتفاني في تأييده والجهاد والهجرة والنصر والثبات والاستماتة في رعاية الدين وأهله، وحفظ عهد الله وميثاقه، قال تعالى:

إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما . وقال:

يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم .

والمبايعة والتعاقد والتحالف أمور كانت تعرفها العرب في الجاهلية، وكان لهم أصول وقواعد يتبعونها في تحالفهم، فلما جاء الإسلام ودعا الرسول الكريم العرب إلى الدخول في دين الله، كون دولة وحدت متفرقي العرب، ونظمت شملهم، وسعت إلى خلق كيان سياسي لهم لا يقل عن كيان الدول القوية المعروفة وقتئذ في بلاد فارس والروم والأحباش. وقد عقد النبي الكريم مبايعات وعقودا من رؤساء القبائل العربية حفظ لنا التاريخ بعض نصوصها، وقد مر بنا بعض ذلك. كما يروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان عنده ملء صندوق فيه نسخ العهود والمواثيق التي عقدها النبي وأبو بكر، ولكنها احترقت لما احترق الديوان يوم الجماجم سنة 82 للهجرة، ولم يبق من تلك الوثائق إلا قليل جدا.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٤٢