تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

عند إقامته قبل أن يدخل في الصلاة؛ لأن الحديث جاء عن بلال أنه لم يؤذن لأحد بعد النبي

صلى الله عليه وسلم

إلا يوما واحدا بعد مرجعه من الشام مدة أبي بكر.

37 (2) الشئون السياسية

اهتم الرسول الكريم بالشئون السياسية، فعني بنفسه بالشئون الخارجية لحكومته، وكان يراقب أحوال العرب واليهود والنصارى خارج العاصمة، وكان أمله الأول هو الاستيلاء على مكة قلب الجزيرة العربية، فعمل كل ما في وسعه، وحالف من حالف ضد قريش حتى تمكن من القضاء عليها. وقد رأينا في الوثيقة المدنية شيئا من العمل السياسي الحكيم الذي قام به من التحالف مع اليهود ضد قريش، ثم إنه - عليه السلام - انصرف إلى عمل كل ما في وسعه لحصر قريش التضييق عليها، وقد رأينا طرفا من أعماله الحربية التي قام بها للقضاء على قريش وأحلافها. ونريد هنا أن نبين بعض الأعمال السياسية التي قام بها - عليه الصلاة والسلام: فمن ذلك أنه بعث عبد الله بن جحش الأسدي الصحابي السياسي الداهية العاقل (-3ه) يترصد قريشا ومعه سرية، وقد كتب له كتابا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره، ولا يستكره من أصحابه أحدا، وكان في ذلك الكتاب: «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم.»

38

وهذه سياسة حكيمة بارعة سلكها النبي

صلى الله عليه وسلم

خوفا من عيون قريش في مكة ومن المنافقين المقيمين بين ظهرانيه، ولو أشهر أنه فعل ذلك لعلمت قريش بمقدم هذه السرية وفتكت بأصحابها، فقد قال الواقدي: إن النبي

صلى الله عليه وسلم

أمر عبد الله أن يسلك طريقا بعينه وهو طريق النجدية-ركية، فسار فلما بلغ بئر بني خميرة نشر الكتاب وقرأه فسار بمن معه، ولم يتخلف منهم أحد، ورجع سالما مطمئنا بأطيب الأخبار.

ومن أعمال النبي السياسية في تلك الفترة جوابه على كتاب جاءه من أبي سفيان يقول له فيه: «أما بعد، فإنك قد قتلت أبطالنا، وأيتمت أطفالنا، ورملت نساءنا، والآن قد اجتمعت القبائل والعشائر يطلبون قتالك وقلع آثارك، وقد أنفذنا إليك نريد منك نصف نخل المدينة؛ فإن أجبتنا إلى ذلك، وإلا أبشر بخرب الديار وقلع الآثار.»

تجاوبت القبائل من نزار

لنصر اللات في بيت الحرام

وأقبلت الضراغم من قريش

على خيل مسومة ضرام

فطلب النبي من علي أن يكتب الجواب، فكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصل كتاب أهل الشرك والنفاق والكفر والشقاق، وفهمت مقالكم، فوالله ما لكم عندي جواب إلا أطراف الرماح وأشفار الصفاح، فارجعوا - ويلكم - عن عبادة الأصنام، وأبشروا بضرب الحسام وبفلق الهام وخراب الديار وقلع الآثار، والسلام على من اتبع الهدى.

ألا أبلغ عني قريشا

من لسان كالحسام

أن هلموا كي تلاقوا ما لقيتم

من الصمصام في بدن وهام

39

ونحن نرى من رسالة أبي سفيان سوء أدبه وضيق عطنه، كما نستشف منه اضطراب وضع مكة وأهلها حتى لجأ أبو سفيان إلى تلك العبارات الشديدة ليخيف النبي ويهدده ثم يوعده، وكان من أحزم الحزم ومن السياسة الرشيدة والكياسة الحميدة أن يجيبه النبي بما أجابه من القوة، وأن الجواب ما سيراه لا ما سيسمعه، فإن القول والقلم لا يغنيان في موضع السيف والحسام.

ومن سياسات النبي الحكيمة أيضا: ما رواه ابن هشام والطبري من مراوضة لغطفان حتى تخذل قريشا أثناء غزوة الخندق، وقد أشرنا إلى ذلك في كلامنا عن تلك الغزوة حين أقام المسلمون والمشركون كل جانب يتربص بصاحبه، حتى ضاق أمر الرسول وصحابته وقريش وأحلافها من غطفان وأحلافهم، وقد فكر الرسول مليا في الأمر، فلم ير سياسة أحكم من أن يفل صفوف قريش ويحتال عليها بعد أن أتى البلاء على الناس في المدينة، فإنه - عليه الصلاة والسلام - كتب إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف زعيمي غطفان يعدهما بإعطائهما ثلث ثمار المدينة وأموالها على أن يرجفا عنه بمن معهما، وجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم يوقع ولم يشهد عليه إلا المراوضة - المداراة والمداورة - حتى مكنه الله وخذل قريشا وفرق جموعها.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٤١