16
ولما ضاق المسجد بأهله وكثر المسلمون وسعه بإضافة المربد الذي كان بجانبه، اشتراه عثمان ووهبه للنبي،
17
وقد جعله مسجدا بسيطا خاليا من الزخرف والتزيين. ولما جمع الأنصار مالا أتوا به النبي فقالوا له : ابن هذا المسجد وزينه، إلى متى نصلي تحت هذا الجريد؟ فقال: «ما بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى.»
18
ويظهر أن المسجد النبوي لم يكن له محراب، فإني لم أعثر على أحد أشار إلى ذلك، وإنما ذكر السيوطي أن عمر بن عبد العزيز هو أول من أوجد المحراب المجوف حينما بنى المسجد النبوي، ونقل ذلك عن الواقدي.
19
والمحراب كلمة عربية قديمة تطلق على صدر البيت، ومنها أخذت لصدر المسجد، وقيل: إن أصله محرام (من الإحرام) ثم أبدلت الميم الثانية باء. وقيل: إن الكلمة عبرية، ومحاريب اليهود هي كنائسهم. قال المجد الفيروزآبادي في القاموس: المحراب الغرفة، وصدر البيت، ومقام الإمام من المسجد، والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس، ومحاريب بني إسرائيل مساجدهم التي كانوا يجلسون بها. أما المئذنة أو المنارة، فلم يذكر أحد من المؤرخين أنها كانت مبنية في عهد الرسول، وإنما ذكروا أن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي أطول بيت حذاء المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر كل غداة، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينتظر الفجر، فإذا رآه تمطى ثم قال: اللهم أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، ثم يؤذن. وذكر أهل السير أن بلالا كان يؤذن على أسطوان في قبلة المسجد، يرقى إليها بأقتاب فيها، وكانت خارجة من المسجد.
20
وفي أسد الغابة: أن النوار أم زيد بن ثابت هي التي قالت: إن بيتي كان أطول بيت حول المسجد الحرام، فكان بلال يؤذن فوقه من أول ما أذن إلى أن بنى رسول الله مسجده، فكان يؤذن بعد على ظهر المسجد وقد رفع له شيء فوق ظهره.
21
وقيل إن بلالا كان يؤذن من دار حفصة بنت عمر قرب المسجد.
22
وقال الكتاني: لم يكن منار في زمانه
صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو من سنة الصحابة، وكانوا في عهده يؤذنون عند باب المسجد وبين يدي الإمام.
23
وأما المنبر فقد ذكروا أن النبي
صلى الله عليه وسلم
كان يخطب بالناس يوم الجمعة في مسجده إلى جذع شجرة أو نخلة، ثم إنهم اتخذوا لهم منبرا من خشب يخطب عليه،
24
فقد روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه؛ فإن لي غلاما نجارا؟ قال: «إن شئت فعلت.» فعملت له منبرا،
25
فلما كان يوم الجمعة قعد النبي
صلى الله عليه وسلم
على المنبر الذي صنع له، وقد جعلوا له ثلاث درجات أو أربعا.
26
وكان ذلك في السنة السابعة للهجرة، وقيل: بل في السنة الثامنة. وقيل: في التاسعة.
27
وكان موضع المنبر عن يمين مصلى النبي لاصقا بجدار المسجد القبلي.
28
وقد كان هذا المسجد مفروشا بالحصى، وربما وضعت فيه الخمرة، وهي حصير من سعف النخل مضفور بالسيور ونحوها بقدر الوجه والكفين من المصلي. وقيل: هي السجادة التي يسجد عليها المصلي. وروى البخاري عن عائشة قالت: قال لي رسول الله: «ناوليني الخمرة من المسجد.» وروى النسائي عن ميمونة قالت: كان رسول الله يضع رأسه في حجر إحدانا فيتلو القرآن وهي حائض، وتقوم إحدانا بخمرته إلى المسجد وتبسطها وهي حائض. كما روي أن المسجد كان مفروشا بالحصير.
29
وقد كان المسجد ينظف ويخلق بالطيب؛ فقد رووا أن عثمان بن مظعون تفل في القبلة فأصبح كئيبا لذلك، فسألته امرأته فأخبرها، فعمدت إلى القبلة فغسلتها وخلقتها، فكانت أول من خلق القبلة. وقيل: إن الذي رأى ذلك هو النبي فحكها ثم أمر بخلوق فلطخ به مكانها، ثم خلق الناس المساجد. أما إضاءة المسجد النبوي، فقد رووا أنهم أول الأمر كانوا يوقدون المشاعل من سعف النخل، ثم إن تميما الداري حمل معه من الشام قناديل وزيتا ومقطا، ولما انتهى إلى المدينة وافق ذلك يوم الجمعة، فأمر غلاما له يقال له أبو البراد، فقام فشد المقط - وهو الحبل - وعلق القناديل وصب الماء فيها وجعل المفتل فيها، فلما غربت الشمس أسرجها، فخرج رسول الله إلى المسجد فإذا هو يزهر، فقال: «من فعل هذا؟» قالوا: تميم يا رسول الله. فقال: «نورت الإسلام نور الله عليك في الدنيا والآخرة .» وفي الاستيعاب في ترجمة سراج مولى تميم: قدم على النبي