صلى الله عليه وسلم ، مع أنه - عليه الصلاة والسلام - حيث كان يشغل منصب النبوة الديني على قاعدة جمع دينه القويم بين سياسة الدين والدنيا جمعا مزج بين السلطتين، بحيث كادا أن يدخلا تحت مسمى واحد وهو «الدين». وكذلك وقع. كانت الإدارات اللازمة للسياستين على عهده صولجانها دائر، والعمالات بأتم أعمالها إلى الترقي والعمل سائر، بحيث يجد المتتبع وظائف حاشية الملك اليوم الخاصة بشخصه من صاحب الوضوء والفراش والنعال والإصطبل والحاجب، وغير ذلك، كانت موجودة عند النبي
صلى الله عليه وسلم ، ولعل عن ذلك العهد أخذها ملوك الإسلام، كما إذا التفت إلى ما يتعلق بالمراتب الإدارية من وزارة بأنواعها، وكتابة بأنواعها، والرسائل، والإقطاعات، وكتابة العهود والصلح، والرسل والترجمان، وكتاب الجيش والقضاة، وصاحب المظالم، وفارض النفقات، وفارض المواريث، وصاحب العسس في المدينة، والسجان، والعيون، والجواسيس، والمارستان، والمدارس، والزوايا، ونصب الأوصياء، والممرضات، والجراحين، والصيارفة، وصاحب بيت المال، ومتولي خراج الأرض، وقاسم الأرض، وصانع المنجنيقات، والرامي بها، وصاحب الدبابات، وحافر الخنادق الصواغين، وأنواع المتاجر والحرف - تجد أن مدته - عليه الصلاة والسلام - مع قصرها لم تخل عن أعمال هذه الوظائف وإدارة هذه العمالات، وتجد أنها كانت مسندة للأكفاء من أصحابه وأعوانه. وربما يستغرب السامع هذا القدر على البديهة إذا سمعه ممن اقتصر على مطالعة بعض كتب السير للمتأخرين، وظن أنها خالية عن أمثال هذه الأمور؛ فإنه ربما يحيص حيصة الاستغراب، ولكن لا ضير فإن أكثر الذين يتعاطون السير اليوم غاية ما يقرءون من كتبها الهمزية.»
1
والحق أن السيد الكتاني قد بذل جهودا جبارة وطالع مئات المؤلفات من مطبوع ومخطوط في الفحص عن حكومة عهد النبي وتراتيبه الإدارية، وقد أوفقه الله إلى العثور على الكتاب النفيس المسمى «تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم
من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية» لأبي الحسن علي بن محمد بن أحمد بن موسى بن أبي غفرة الخزاعي (710-789)، فقرأه واستدرك عليه وشرحه ونشره في مجلدين ضخمين بعنوان «التراتيب الإدارية». ولا شيء يؤخذ على كتاب الكتاني سوى سوء ترتيبه واضطراب بحوثه وضعف تأليفه، فإن المؤلف الجليل على الرغم من الجهد لم يستطع أن يرتب كتابه ترتيبا علميا حديثا يفيد منه كل من يريد الاطلاع على حكومة النبي وأصول نظمه الإدارية، ولكنه جهد عظيم وعمل نافع جزى الله صاحبه عن الإسلام والعروبة خيرا.
ونحن إذا رحنا ندرس شئون التراتيب الإدارية التي كانت في عهد حكومة النبي
صلى الله عليه وسلم ، نجدها تنحصر في الشئون الآتية: (1) الشئون الدينية
كان الرسول
صلى الله عليه وسلم
هو المشرف الأعظم على كافة مرافق الدولة الإسلامية وبخاصة الشئون الدينية، فهو المرجع الأول للمسلمين، وهو الموجه للدولة، وهو المشرع للمسلمين، فإمامة الصلاة وأذانها وتوقيتها وإمارة الحج وحجابة البيت والسقاية وتولي أمور الزكاة وصدقات الصوم؛ كان الرسول يشرف عليها بنفسه، أو يعهد إلى من يراه كفئا للقيام بها. (1-1) إمامة الصلاة
هي من حقوق النبي، وقد كان يقوم بها بنفسه إلا في حال مرضه أو غيبته، فكان يأذن أن يتولاها غيره، وكان الرسول إذا بعث أميرا في سرية أو فتح جعل إليه الصلاة، ولما مرض مرض موته فوض الصلاة لأبي بكر، فصلاها طول مدة مرضه إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى،
صلى الله عليه وسلم . (1-2) مؤذن الصلاة
اتخذ الرسول سبعة يؤذنون للناس ويدعونهم في أوقات الصلاة، «فأول» مؤذن له
صلى الله عليه وسلم
هو بلال الحبشي، وكان إذا أذن وقف على باب رسول الله فيقول: السلام عليك يا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة. و«الثاني» هو عبد الله بن أم مكتوم، وكان يؤذن في الفجر يتوخاه فلا يخطئه. «والثالث» هو أبو مخدورة، فقد كان رتبه لأذانه في مكة منصرفه من حنين، فلم يزل يؤذن بها إلى أن مات. «والرابع» هو سعد القرظ، أذن له بقباء ثلاث مرات. «والخامس» هو زياد بن الحارث الصدائي، أذن مرة لما كان بلال غائبا، وأقام في صلاة الصبح. «والسادس» هو عبد العزيز بن الأصم، أذن مرة. «والسابع» هو ثوبان مولى النبي