تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما أن رأى الرسول بعد النصارى عن الدين الحقيقي، وتخبطهم في مذاهبهم وناظرهم فبين لهم ضلالهم، وتغييرهم للدين الإلهي السماوي، أخذ يدعوهم إلى حظيرة الإسلام، الذي يؤمن بجوهر دينهم؛ فآمن من آمن، وكفر من كفر، وإن أهم مواقف الهول في دعوة النصارى إلى الإسلام هو ما كان بينه وبين وفد نصارى نجران الذين قدموا عليه من اليمن في الربيع الأول من سني الهجرة، وكان وفدهم هذا مؤلفا من ستين رجلا، فيهم وجوه القوم وأحبارهم وعلماؤهم، فلما اجتمعوا بالرسول، وجرت بينه وبينهم مناظرة مطولة في مولد عيسى - عليه السلام - وحقيقة صلته بالخالق سبحانه، وفي رسالته، ودعاهم الرسول إلى الإسلام فلم يجيبوه، زاعمين أنهم على الحق فيما يعتقدون؛ طلب إليهم المباهلة بأن تكون لعنة الله على الكاذب الضال من أي الجانبين، فلم يجيبوه أيضا إلى هذا، ووادعوه وانصرفوا راجعين إلى ديارهم. وفي سورة آل عمران تفصيل هذه القصة، وإليك بعض ما ورد فيها:

إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين * فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين * إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم * فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين * قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (سورة آل عمران: آيات 59-64).

ولكن على الرغم من هذه المحاجة والدعوة الحكيمة، فإنهم ظلوا في عنادهم وكفرهم، ولكنهم اضطروا أن يوادعوه

صلى الله عليه وسلم

ويرجعوا إلى بلادهم منخذلين، على الرغم من حرص النبي على المباهلة. والدعوة إلى تنزيه عيسى بن مريم عما يعتقده النصارى فيه من الباطل؛ فما عيسى بن مريم إلا عبد الله ونبيه، آتاه الله الإنجيل فيه رحمة ونور مصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين (راجع سورة المائدة، آية 46).

وكان موقف نصارى الجزيرة العربية ونصارى الشام من الدعوة الإسلامية مختلفا؛ فنصارى الجزيرة كانوا دمثي الأخلاق ليني الجانب، أما نصارى الشام فقد كانوا عنيفين في خصوماتهم شديدين في تهجمهم، حتى إنهم قتلوا بعض رسل النبي

صلى الله عليه وسلم

ودعاته، فاضطر إلى أن يغزوهم أو يبعث إليهم بعض السرايا المقاتلة، كسرية دومة الجندل وغزوة مؤتة اللتين فصلنا أمرهما فيما سلف. وقد أشرنا إلى ما لقي المسلمون فيهما من عنف نصارى الشام، وقد نزلت آيات كريمة تحض النبي على مقاتلتهم، كقوله تعالى:

قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ...

يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (سورة التوبة: الآيتان 29 و34).

الفصل الثالث

| المنافقون

النفاق هو أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن، وقد استعملت هذه اللفظة في الآيات المكية كما في آيات سورة الحج (11-13) و(سورة العنكبوت 11-13) ... وهذا يدل على أن المنافقين كانوا موجودين منذ العهد المكي، ولكنهم لم يكثروا إلا بعد أن هاجر النبي إلى المدينة وقوي أمره، فاضطر بعض الناس إلى إظهار الإسلام وإبطان غيره؛ إما لضعف نفوسهم أو لسوء طويتهم، وإما للعمل على تهديم الدين وإدخال القلق والاضطراب إلى نفوس أصحابه، وإما حسدا للنبي وكبار رجال دعوته. ولم يكن الرسول وكبار صحابته يجهلون أمر هؤلاء المنافقين، بل إن بعض مواقفهم كانت تكشف للملأ، وفي القرآن الكريم والسور المدنية بصورة خاصة تفصيل أخبارهم وكشف لعوارهم. وقد كان لهؤلاء المنافقين مواقف أتعبت النبي

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٢٨