ومنها صد الناس عن الدخول في الدين، ومنعهم من إعلان إيمانهم بالرسالة المحمدية، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وقد وضحت ذلك آيات سورة آل عمران (98-100)، وسورة التوبة (آيات 32-34).
ولما ضاق الرسول الكريم بهم وبدسائسهم ونقضهم العهد، نكل بهم، ثم أمر بإجلائهم عن المدينة المنورة وما حولها من القرى، كما رأينا تفصيل ذلك في الباب الماضي.
الفصل الثاني
| النصارى
كان في الحجاز خاصة والجزيرة العربية عامة كثير من النصارى من غير العرب أو العرب، وكانت صلتهم بالعرب من غير النصارى حسنة في الغالب، وعلى الرغم من أن القرآن حمل عليهم لبعض مواقفهم العدائية معه واعتقاداتهم الباطلة، فإنه كثيرا ما كان يثني عليهم لأخلاقهم الطيبة وحسن معاملتهم للمسلمين، وخلوصهم من الكيد والدس والحقد الذي يغلي في قلوب اليهود والمتهودين من العرب.
إن في القرآن والأحاديث المنقولة عن النبي وعن كبار الصحابة آيات وأحاديث كثيرة تبين أحوال النصارى في عهد النبي، ويمكننا إجمالها في المواقف الآتية: (1) موقف التحبب والموادعة
وبخاصة في أول أمر الدعوة الإسلامية، وحين هاجر المسلمون إلى الحبشة النصرانية، فأكرم النجاشي وفادتهم وسمع بعض آيات القرآن الحكيم واطمأنت إليها نفسه، وآمن نفر من حاشيته وبطانته. ويتجلى لنا هذا الأمر في قوله تعالى من سورة المائدة (آيات 82-86):
لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين * وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين * فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم . (2) موقف المناظرة والنقاش
على أن موقف التحبب والموادعة لم يدم طويلا، فإن قسما من النصارى قد حادوا عن الطريق السوي، إما بالنسبة إلى النصرانية نفسها، وإما بالنسبة إلى الإسلام، فاضطر النبي
صلى الله عليه وسلم
إلى محاجتهم ومناقشتهم، وفي آيات سورة النساء بيان شيء من ذلك:
يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا * لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا * فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (سورة النساء: آيات 171-173). (3) موقف التهجم
بعد أن وقف الإسلام موقف المناظرة والنقاش الذي رأيت، ورأى سوء طوية القوم، عمد إلى موقف جديد، وعمدوا إلى التهجم عليهم وإفساد باطلهم لبعدهم عن الدين، وروحه القويمة، واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، قال تعالى:
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون * يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون * يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (سورة التوبة: آية 31-34). (4) موقف الدعوة إلى الإسلام