وتسمى غزوة المريسيع. كان بنو المصطلق ينزلون قرب المريسيع، وهو ماء خزاعة، وكانوا قد ساعدوا قريشا يوم أحد، فقدم الرسول على حربهم وسار حتى وصل المريسيع، فترامى المسلمون والمشركون بالنبال، وحمل المسلمون على المشركين حملة شتتت شملهم، فهربوا وأسر عدد من الرجال والنساء، واستولوا على الماشية والمال، وكان في السبايا برة بنت الحارث سيد القوم، فتزوجها الرسول وسماها جويرية، وبسببها قال المسلمون: لا ينبغي إسراحها يا رسول الله. فأطلقوا الأسرى، وأسلم جميع بني المصطلق، وكان ذلك من حسن سياسة الرسول.
الفصل الثالث
| في الأحداث السياسية والعسكرية منذ السنة السادسة للهجرة إلى وفاة النبي
(1) في السنة السادسة
كان أجمل الأحداث العسكرية في هذه السنة غزوة الحديبية وبيعة الرضوان. والحديبية على مقربة من مكة، خرج إليها الرسول أول ذي القعدة في ألف وخمسمائة رجل، فلما وصلها بعث عثمان بن عفان رسولا ليعرفهم أن الرسول لم يأت إلا للزيارة والعمرة، فاحتبسته قريش عن الدخول إلى الكعبة، وشاع أن قريشا قتلت عثمان، فدعا الرسول الناس إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت والشهادة في سبيل الله وألا يفروا. ثم خافت قريش، وجاء رسول من أهل مكة، وهو سهيل بن عمرو، فوادع النبي على صلح عشرة أعوام، وأن يرد الرسول من يأتيه من قريش مسلما بدون إذن وليه، وألا تلزم قريش برد من يأتي إليها من عند محمد، وأن من أحب الدخول في عهد محمد فليدخل، ومن أحب الدخول في عهد قريش فله ذلك، وأن يرجع الرسول هذا العام من غير عمرة، وأن يأتي في العام المقبل بعد أن تخرج منها قريش، ويقيم المسلمون بها ثلاثة أيام وليس معهم سلاح إلا السيوف في قرابها.
1
وقد صعب هذا الأمر على المسلمين وكبر عليهم أن يعودوا من غير اعتمار، وكاد الشيطان أن يفرق كلمة المسلمين؛ فإن الرسول لما أمرهم بالنحر لم يقم منهم أحد، ثم دخل على أم سلمة فشكى إليها ما لقي من المسلمين، فقالت له: يا نبي الله، اخرج ولا تكلم أحدا حتى تنحر بدنتك وتحلق. ففعل ما قالته، فقام الناس ففعلوا مثله، ثم عاتب المسلمين ورجع إلى المدينة، وانتهز هذه الفرصة لنشر الإسلام وتبليغ الرسالة والعمل على تنظيم شئون المدينة. وقد عد الزهري هذا الصلح فتحا عظيما للإسلام؛ إذ يقول: «فما فتح في الإسلام فتح قبله أعظم منه ... فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وآمن الناس كلهم بعضهم بعضا فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه؛ فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر ...»
2
وفي هذه الغزوة نزل قوله تعالى:
إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم
وقوله:
لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة . وفي هذه الغزوة نزلت سورة الفتح فتسلى المسلمون بها بعد أن ضايقتهم شروط الصلح القاسية، وعلموا أنها إيذان بفتح مكة، وأنهم لا بد داخلوها آمنين محلقين. (1-1) مراسلة الملوك
بعد عودة الرسول إلى المدينة راسل الملوك في أنحاء العالم المتمدن، واتخذ خاتما من فضة نقشه «محمد رسول الله»، فكتب إلى قيصر الروم، ولأمير بصرى الشام، وأمير دمشق الحارث بن أبي شمر الغساني، والمقوقس صاحب مصر، والنجاشي صاحب الحبشة، وكسرى ملك الفرس، والمنذر بن ساوى هوذة بن علي ملك اليمامة، وجعيفر وعبد ابني الجلندي ملك عمان، فأسلم من أسلم، وكفر من كفر، ورد بعضهم ردا لطيفا، ورد بعضهم ردا قبيحا، وكان شرهم ملك الفرس؛ فقد مزق الكتاب استكبارا.
3 (2) وفي السنة السابعة
غزا الرسول خيبر، وهي مدينة ذات حصون ومزارع تبعد ثمانمائة بريد عن المدينة جهة الشام، وكانت حصونها ثلاثة، وسكانها بنو النضير الذين كانوا أعظم مهيج للأحزاب والقبائل ضد النبي يوم الخندق. وقد رأى الرسول أن بقاءهم في الجزيرة مما يفسد عليه أمره، فخرج إليهم في المحرم ومعه ألف وستمائة رجل، فلما أتاهم حاصرهم ستة أيام، ثم قال في الليلة السابعة: «لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويفتح على يديه المدينة.» فلما كان الصباح أعطاها عليا، فأبلى أحسن بلاء، وشدد الحصار حتى فتحها الله على يديه، وغنم المسلمون غنائم عظيمة، وطلب أهل فدك أن يصالحوا النبي ويساقوه بنصف الثمار ويخرجهم متى شاء، وأن يتركوا الأموال، وأن يحقن دماءهم، وجعلت موارد فدك للرسول خالصة من دون المؤمنين؛ لأنه فتحها بلا إيجاف. وانصرف الرسول بعد ذلك إلى وادي القرى وفتحه عنوة، ثم ذهب إلى المدينة فقدم نفر من المسلمين الذين كانوا في الحبشة وفيهم جعفر بن أبي طالب، فقال الرسول مرحبا به؛ ما أدري بأيهما أسر؛ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ وفي هذه السنة أمر الرسول أصحابه أن يعمروا عمرة القضاء قضاء لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها يوم الحديبية، وألا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلما وصل مر الظهران على مرحلة من مكة وعلمت قريش بمقدمه، بعثت إليه من قال له: يا محمد، ما عرفت بالغدر صغيرا ولا كبيرا، وإنا لم نحدث حدثا ونحن على عهد معك. فأخبرهم أنه لا يريد إلا العمرة. ولما قرب المسلمون من مكة خرج المشركون إلى رءوس الجبال خشية أن يلتقوا بالمسلمين، فدخل الرسول مكة واعتمر ورجع إلى المدينة بعد أن أقام بمكة ثلاثة أيام. (3) وفي السنة الثامنة