تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت وقعة مؤتة، وهي من عمل البلقاء بالشام، وقد كان النبي بعث رسولا إلى أمير بصرى الشام، فلما وصل مؤتة قتله أهلها، فجهز النبي جيشا من ثلاثة آلاف رجل بإمارة زيد بن حارثة وقال لهم: «سيروا على بركة الله، فإن قتل زيد فالأمير جعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة.» ثم قال لهم إنهم سيجدون رجالا حبسوا أنفسهم في الصوامع فلا يتعرضوا لهم، ولا يقتلوا امرأة ولا صغيرا ولا شيخا فانيا، ولا يقطعوا شجرا. ثم سار زيد بالجيش حتى وصلوا مؤتة، فوجدوا الروم قد جمعوا لهم جموعا في مائة ألف مقاتل، فقاتلوهم وقتل زيد، فأخذ الراية جعفر فقاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله فقطعت، فاحتضنها ثم قتل، فأخذها عبد الله فقتل، وعند ذلك اضطرب المسلمون وخافوا من الانكسار، فأمروا عليهم خالد بن الوليد، فقاتل حتى قتل من الأعداء مقتلة عظيمة، وأصاب من الغنائم الكثيرة، وأنقذ هذا الجيش الصغير من الوقوع بمخالب الروم الأشداء الكثيرين، ورجع إلى المدينة، فأثنى النبي عليه.

4 (3-1) فتح مكة

وفي تلك السنة أيضا فتح الله مكة، وذلك أن قريشا نقضت شروط صلح الحديبية؛ لأنهم أعانوا بني بكر التي دخلت في حلفهم على بني خزاعة التي دخلت في حلف مع الرسول، وذلك أن رجلا خزاعيا ضرب آخر بكريا؛ لأنه سمعه يسب الرسول، فقررت بكر محاربة خزاعة وطلبوا النجدة من قريش، فأعانتهم سرا، ثم دهموا خزاعة على حين غفلة فقتلوا منهم نحوا من عشرين رجلا، فلما خبروا الرسول بذلك قال: «لأمنعنكم مما أمنع منه نفسي.» ثم إن قريشا ندمت على ما فعلت حين لا ينفعها الندم، فأرسلوا أبا سفيان إلى المدينة ليجدد عهد الحديبية ويمدده، فأتى الرسول وهو في المسجد فقال له: «هل من حدث؟» فقال: لا. فقال الرسول: «فنحن على مدتنا وصلحنا.» ورجع أبو سفيان إلى المدينة فاشلا. أما الرسول فإنه تجهز للسفر إلى مكة في عشرة آلاف مجاهد من أهل المدينة وقبائل أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، وسليم، وبينما كان في طريقه جاءه عمه العباس وأبو سفيان بن حرب فأسلما، وأكرمهما الرسول، ودخل الرسول مكة فطاف الكعبة سبعا، ثم أمر بإزالة الأصنام والتماثيل والأنصاب من الكعبة والمشاعر المقدسة والصور، ومنها صورتا إبراهيم وإسماعيل، وهو يقول: «جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.» وأمن الرسول أهل مكة ونادى مناديه: «من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن ...»

وكان فتح مكة من أكبر العوامل على إنجاح الدعوة الإسلامية لمكانة الكعبة لدى العرب أجمعين، فسارع كثير منهم إلى الدخول في الإسلام. ولما استقر الرسول في مكة جلس في المسجد الحرام والأبصار خاشعة إليه لترى ماذا سيفعل بمشركي قريش وأعداء الدين الذين آذوه وأخرجوه من بلده الحبيب، فخطب الناس وقال: «أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض؛ فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص فيها لقتال رسول الله فقولوا إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم. أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب ... يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء.» ثم أخذ الناس يتوافدون عليه مبايعين مسلمين، ومن أعيان من أسلم في ذلك اليوم معاوية وأبو قحافة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أبي أمية، والحارث بن هشام، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهند زوج أبي سفيان، وكعب بن زهير. (3-2) غزوة حنين

وفي تلك السنة سار الرسول قبل أن يرجع من فتح مكة ومعه عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان من أهل مكة يريد قبيلتي ثقيف وهوازن، ولما وصلوا حنينا سمع الرسول بعض المسلمين يقول: لن نغلب اليوم من قلة. وأعجب المسلمون من كثرة عددهم، فصعب ذلك على الرسول، ولما التقوا بعدوهم قابلهم بعدد كثير وحزم وقوة، فانهزم المسلمون، ولم يثبت مع الرسول إلا جماعة منهم أبو بكر وعمر وعلي والعباس وأبو سفيان بن الحارث ابن عم الرسول، ثم نادى العباس الأنصار أن ينعطفوا إلى النبي، فتراجعوا وقاتلوا أشد قتال وأصدقه، وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنودا لم يروها، وقتل من المشركين أكثر من سبعين وأسر منهم الكثير، وأخذ المسلمون نساءهم وذراريهم، وقتل من المسلمين أربعة. (3-3) غزوة الطائف

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ١٨