أما يعقوب فقد قفل منهزما إلى خراسان وأخذ يرتب أموره ويقوي جنده، وجرت له وقائع مع رجال صاحب الزنج إلى أن مات في 15 شوال سنة 265ه بالأهواز بعد أن ثبت أركان مملكته في خراسان وجنوبي إيران. ومهما يكن من أمر فإن يعقوب، كان عصاميا تطلع إلى معالي الأمور فبلغها، ولكن منشأه الدنيء، وتفكيره الساذج، وعدم معرفته بالسياسة لم تمكنه من توسيع دولته؛ فقد كان جنديا قويا بارعا، وحسب، ولو أنه جمع إلى القوة عقلا وحزما لاستطاع أن يصل بدولته إلى منزلة سامية.
ولما هلك يعقوب بايع الجند أخاه عمرا (265-287) لما كان عليه من القوة فكان أول عمل عمله أن طلب رضاء الخليفة والاعتذار إليه عما قام به أخوه، فرضي عنه الخليفة وولاه على خراسان وفارس وأصفهان وسجستان وكرمان والسند، وسماه حاكما عسكريا لبغداد، وسامراء، تشريفا له، ولكن ما عتمت الأمور أن فسدت بينه وبين بغداد من جديد، حينما أراد طلحة الموفق منه أن يتنازل عن خراسان سنة 272، فرفض وأعلن عصيانه، فجمع الموفق بأمر المعتمد حجاج خراسان وقرأ عليهم كتابا من الخليفة بإقالة عمرو، وبلغه على المنابر، وجهز الموفق طلحة جيشا فتح به بلاد فارس وهزم عمرا، ولكن عمرا استطاع أن يسترد ولايته بحد حسامه، وظل إلى أن توفي المعتمد.
ولما تولى المعتضد في سنة 279 أقر عمرا في ولايته، واستقرت بلاد المشرق لعمرو فطمع في بلاد ما وراء النهر، وطلب من الخليفة أن يوليه إياها، فكانت تلك الولاية سبب القضاء عليه. روى الطبري أن عمرا طلب إلى الخليفة أن يوليه ما وراء النهر، فولاه ذلك، وقرئ في بغداد كتاب من الخليفة بعزل إسماعيل بن أحمد الساماني عن ما وراء النهر وتولية عمرو مكانه، وأرسل رسولا إلى عمرو في نيسابور يحمل إليه الخلع والعهد، فلما وضع العهد بين يدي عمرو قال: ما هذا؟ فقال الرسول: هذا الذي سألت. فقال عمرو: وما أصنع به؟ فإن إسماعيل بن أحمد لا يسلم إلي ذلك إلا بمائة ألف سيف! فقال الرسول: أنت سألته، فشمر الآن لتتولى العمل في ناحيته. وفي ربيع سنة 287ه حطم السامانيون جند عمرو قرب مدينة بلخ، ووقع عمرو أسيرا، ثم أرسله السامانيون إلى بغداد فقتل، وبذلك انتهى عهد هذه الأسرة العسكرية التي حكمت، وهي لا تستند على شيء سوى السيف والقوة، على أن عمرا كان خيرا من أخيه؛ فقد وصفوه بأنه كان على جانب من الدهاء والإدارة، ورووا أنه كان شديد الاهتمام بضبط موارد دولته، وأنه كانت له ثلاثة بيوت للمال؛ أولها بيت المال الوارد من الخراج والضرائب الأخرى، ومنه كان ينفق على الجيش، وثانيها بيت المال الوارد من الضياع والأملاك الخاصة، ومنه تصرف نفقات البلاطات والحاشية، وثالثهما بيت المال الوارد من المكوس والصادرات، ومنه كانت تصرف المنح والهدايا. ورووا عنه أيضا أنه كان عادلا في حكومته، عاملا على المساواة بين رعيته.
وصفوة القول أن هذه الدولة التي ظلت قرابة نصف قرن كانت دولة قوية لم يحاول أمراؤها قطع كل الصلات بالخليفة، وإن كانوا قد استمتعوا باستقلال مملكتهم، وتلقبوا بألقاب الملك، وخطب لهم على المنابر مقرونا اسمهم مع اسم الخليفة، وسكت الدراهم والدنانير باسمهم، ولولا فترات الجفاء التي وقعت بين يعقوب وأخيه، وبين رجالات العاصمة بغداد، لكانت هذه الدولة على أحسن حال. (1-5) الدولة السامانية (261-389ه/874-999م)
كان سامان خداه جد هذه الأسرة، أميرا ينتسب إلى بهرام جور، صاحب كسرى هرمز، أسلم على يد أسد بن عبد الله القسري الأمير الأموي ووالي بلخ، واتصل به وسمى ابنه الأكبر باسمه، وكان لأسد بن سامان أربعة بنين وهم: نوح وأحمد ويحيى وإلياس، وقد ارتفعت أقدارهم في دولة المأمون، فولاهم والي خراسان غسان بن عباد تلبية لأمر الخليفة على بعض المقاطعات، فكان نوح أميرا على سمرقند، وأحمد أميرا على الشاش وأسروشنة، وإلياس أميرا على هراة. وعمر أحمد أكثر من إخوته فصار إليه حكم سمرقند وهراة والشاش وأسروشنة إضافة إلى بلاد فرغانة، وأخذ سلطانه يتسع حتى امتد إلى بلاد الصفد. وفي 261ه/864م مات أحمد فخلفه ابنه نصر وهو أول من حكم استقلالا من رجال هذه الدولة، وكان مقره في سمرقند، واضطر الخليفة المعتمد أن يبعث إليه تقليدا بولايته على كافة بلاد ما وراء النهر.