تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 271ه اضطربت بخارى، وعاث المفسدون فيها فطلب أهلها من نصر أن ينقذهم من تلك الفوضى، فبعث إليهم أخاه إسماعيل فوطد الأمن فيها، وحكمها بالنيابة عن أخيه. وفي سنة 272ه عهد الخليفة المعتمد بولاية كافة بلاد بخارى والمشرق إلى نصر. وقد استطاع إسماعيل أن يقضي على الثورات المحلية، وينقذ الفلاحين من ظلم أصحاب الأراضي واستبدادهم، فأحبه الناس وقويت مكانته في البلاد، فطمع إلى الاستقلال بها، ووقعت بينه وبين أخيه نصر خطوب وفتن وحروب دامت مدة طويلة. وفي سنة 275 تغلب جيش إسماعيل على جيش نصر، فأخذ أسيرا، ولما التقى الأخوان تصافيا، ورجع نصر حاكما إلى سمرقند إلى أن مات سنة 279، فأوصى لأخيه من بعده بالملك، وقد كان إسماعيل على جانب عظيم من حسن السياسة والدهاء والإدارة، فتوطدت أركان الدولة في عهده، واتسع نطاقها حتى بلغت أقصى حدود المشرق، وقضى على عمرو بن الليث الصفار أمير خراسان، كما قضى على محمد بن يزيد العلوي صاحب طبرستان، وإسماعيل هذا هو أعظم أمراء هذه الدولة، وهو الذي أسس قواعدها ووسع رقعتها، وقضى على خصومها، ولما هلك في سنة 295ه تعاقب الأمراء عليها إلى سنة 389 حين انتهى أمرها على يد دولة آل سبكتكين الغزنوية والأتراك الخاقانية، كما سنرى بعد.

ويجب أن نلاحظ أنه لم يظهر أمير كفء من هذه الأسرة بعد إسماعيل، ولكن متانة الحكم الساماني وحسن الإدارة التي وطدها إسماعيل مكنت أولاده وأحفاده من الاستمرار في الحكم طول تلك المدة. وعلى يد السامانيين هؤلاء، تم للإسلام إخضاع بلاد ما وراء النهر نهائيا، وكادت بخارى عاصمتهم وسمرقند سيدة حواضرهم أن تسبقا بغداد في ميادين العلم والعرفان والحضارة والتأليف، ولم تخلص هذه الدولة من عناصر التخريب وإشاعة الفوضى على الرغم من عناية أمرائها لتوطيد ملكهم على قواعد العدل والعلم والإصلاح، وقد كان السامانيون مسلمين متعصبين لإسلامهم ولسنيتهم، وحدث أن اتهم أحدهم، وهو نصر الثاني بن أحمد (295-301) بأن هواه مع الإسماعيلية، فاضطر إلى أن يتنازل عن الملك لابنه نوح، وكان نوح فتى حدثا لم يستطع أن يضبط الدولة، وكان للمماليك الأتراك، الذين سيطروا على البلاط، نفوذ كبير عليه، ولم يكن الأمراء الذين خلفوه خيرا منه، فتعاظم نفوذ الحرس التركي في البلاد، وأصبح قادته أصحاب الحل والربط، يتداخلون في السياسة، ويسقطون هيبة الوزارة والإمارة، وقد حدثت عوامل أخرى أضعفت شأن الدولة، وهي ظهور آل بويه في الغرب والأتراك القرخانيين في الشرق، وهم الذين نراهم لأول مرة في التاريخ الإسلامي، يبرزون إلى ميدان السياسة بقبائلهم الطورانية الجرارة القادمة من آسيا الوسطى للسيطرة على مقدرات العالم الإسلامي.

وفي سنة 351ه/962م تمكن ألب تكين التركي، أحد قواد السامانيين أن ينفصل عن جسم الدولة السامانية، ويؤسس دويلة مستقلة في غزنة، ثم خلفه في سنة 366ه/977م مولاه سبكتكين فأعلن ولاءه للسامانيين، وفي سنة 384ه/994م استطاع ابنه محمود أن يخمد بعض الفتن التي قامت على السامانيين فكافئوه بتسميته أميرا على خراسان، وكان ذلك مبدأ دولة محمود بن سبكتكين.

وفي سنة 386ه/996م أراد الأتراك (الإيلاق خاينون) (القرخانيون) الانسيال على الأراضي السامانية، فاستنجد السامانيون بسبكتكين وابنه، واستطاعا أن يوقفا سيل القرخانيين، وعقد صلح بين الطرفين على أن تكون منطقة سهول قطوان، منطقة فاصلة بين الحدودين، وتسلط سبكتكين على كافة الأراضي الواقعة جنوب نهر جيحون، وأخذت دولته تنمو. ولما مات سبكتكين 387ه/997م وانشغل ابنه محمود بتوطيد أركان دولته في غزنة، أراد السامانيون إعادة الجزء الذي سلبهم إياه سبكتكين وابنه، ولكنهم فشلوا في محاولتهم، ثم تراجعوا وجيشهم مشتت، فتمكن محمود من الاستيلاء على خراسان كلها سنة 389ه، وقد انتهز الأتراك القرخانيون تضعضع الدولة السامانية، فهاجموا بخارى عاصمتهم، واستطاعوا السيطرة عليها في سنة 389ه، وهكذا قضي على الدولة السامانية.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ١٠