تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي أيام المتوكل، الذي كان يعلن عداءه لآل علي وشدة كراهيته لهم، وهدم قبر الحسين وما حوله، ثار يحيى بن عمر بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين، فتمكن المتوكل منه وحبسه في سجن المطبق ببغداد، ثم تمكن من الفرار، فتجمع حوله نفر كبير من الزيدية والأعراب، ولكنه لم يوفق إلى الوصول لهدفه وقضى على حركته سهل بن هارون. وفي أيام المستعين خرج ثانية وتمكن من الاستيلاء على الكوفة، وبلغت دعوته بغداد، فانضم إليه كثير من أهلها وقوي سلطانه إلى أن كانت سنة 250ه فخرج وبعث إليه الخليفة بالحسين بن إبراهيم المصعبي، والتقى جمعاهما ظاهر الكوفة، ودارت الدائرة على يحيى فقتل ومثل به، فلما بلغت أخباره الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن ثار بطبرستان واستولى على عاصمتها آمل، ثم على سارية وسائر بلاد طبرستان والديلم، واستطاع بما أوتي من قوة وعلم أن يؤسس دولة قوية دامت نحو قرن، تولى فيها الحسن بن زيد 250-270ه، ومحمد بن زيد القائم بالحق 270-278ه، وحكم فترة طويلة استطاع فيها أن يقوي نفسه، ويرتب بعوثه ودعاته لنشر دعوته الزيدية حتى تغلب السامانيون عليها، كما سنرى. وفي سنة 301ه تمكن الحسن الأطروش بن علي بن الحسين بن علي بن عمر بن زين العابدين أن يعيد سلطان الزيدية من جديد على بلاد طبرستان والديلم وظل إلى سنة 304ه، ثم خلفه الحسن بن القاسم بن علي بن عبد الرحمن، ومعه أولاد الأطروش من سنة 304 إلى سنة 355 وفي هذه السنة انتهى أمر الدولة الزيدية. (1-4) الدولة الصفارية (247-289ه)

كان الخوارج قد استقروا في سجستان وثبتوا أقدامهم فيها منذ زمن بعيد، ويظهر أنهم منذ أوائل القرن الثالث قد انقلبوا إلى عصابات تفتك بالناس، وتقطع السبيل، حتى لقي الأهلون منهم عناء كبيرا، فألفوا فرقا متطوعة للدفاع عن أنفسهم، ومحاربة هؤلاء الخوارج القساة، الذين لم تتمكن الدولة من إخضاعهم، وقد استطاع صالح بن النضر الكناني، أحد قادة هذه الفرق المتطوعة، أن يستولي على العاصمة، ويطرد عامل آل طاهر عنها، وكان بين أجناد صالح أخوان كانا يشتغلان في حداثتهما بعمل الصفر، وهما يعقوب بن الليث وأخوه عمرو بن الليث، وقد استطاع يعقوب بذكائه ودهائه أن يتقرب من صالح وتسمو مكانته بين الجند، لما كان له من بلاء حسن في قتال الخوارج وقطع دابر المفسدين. وحدث في سنة 247ه أن مات صالح، وتولى إمرة المتطوعة رجل ضعيف اسمه درهم بن الحسين، وكان درهم هذا لا يساوي شيئا ولا يصلح للإمرة، فرأى المتطوعة أن يعزلوه ويولوا يعقوب بن الليث مكانه، فلما أن تولى قيادتهم، وكان ذلك في 6 محرم سنة 247، أبلى أحسن البلاء في قتال الخوارج والشراة، واستولى على هراة وبوشنج وما إليهما سنة 253ه، ثم وجه همته إلى قتال أمراء الترك والديالم بتخوم سجستان فانتصر على كثير من ديارهم، وأذعن له أمراء الملتان وذابلستان والسند ومكران، وفي سنة 256ه استولى على كرمان، وكان الخليفة المعتز بالله قد أعطاها له، ولوالي فارس علي بن الحسين، وقد حاول علي أن يسبق يعقوب إلى احتلال كرمان، ولكن يعقوب سبقه فتغلب عليها وهزم جنده، وما زال يطارده حتى ألجأه إلى شيراز عاصمة إقليم فارس، وانتهز يعقوب مناسبة نصره هذا فبعث بحلائل الهدايا إلى الخليفة يؤكد له ولاءه، ويرجوه أن يوليه على بلاد فارس، وأن يعزل عنها علي بن الحسين، على أن يقرر عليه خمسة عشر ألف درهم، ثم شخص على أثر كتابته بذلك للخليفة متوجها إلى كرمان فاستولى عليها، ثم توجه إلى شيراز فحاصر الحسين بن علي واستولى عليها في جمادى الأولى سنة 255ه، وضم إقليم فارس إلى دولته فارتفع ذكره، وسما قدره، وفي سنة 259ه قصد نيسابور عاصمة آل طاهر فاستسلم له محمد بن طاهر، وهكذا انتهت الدولة الطاهرية، فانتهز يعقوب هذه الفرصة لإرسال وفد إلى الخليفة المعتمد في سامراء مع كتاب إلى الخليفة يذكر فيه ما تناهى إليه من حال أهل خراسان، وأن الخوارج والشراة المخالفين قد استولوا عليها، وأن محمد بن طاهر قد غلب على أمره، وأن أهل خراسان قد سألوه القدوم عليهم، وأنه سار إليهم وأقر نصاب العدل والأمن فيها؛ ولذلك جاء يطلب من الخليفة تأميره عليها، وكان المدبر لشئون الخلافة وقتئذ الموفق طلحة أبو أحمد، فقال لرئيس وفد يعقوب: إن الخليفة لا يقر يعقوب على ما فعل، وأنه يأمره بالانصراف إلى عمله الذي ولاه إياه - وهو إقليم فارس فقط - فلما بلغت هذه الرسالة يعقوب لم يأبه لها، واستمر في عمله وتوطيد سلطانه في إقليم فارس وخراسان كلها. وفي سنة 260ه سار يعقوب بجنده إلى طبرستان جنوبي بحر قزوين يريد طرد الحسن بن زيد منها، فافتتح مدينتي ساري وآمل، وهرب الحسن أمامه فلحقه إلى جبال طبرستان، ولكن قسوة الإقليم وبرده الشديد منعاه من الاستمرار في وقوفه أمام يعقوب، فرجع إلى خراسان، ولكنه فوجئ بعمل أزعجه، وهو أن رجال الخلافة، وعلى رأسهم الموفق طلحة في سامراء، أصبحوا يتخوفون من حركة يعقوب ونفوذه، فأمر الموفق عبيد الله بن طاهر أن يجمع في بغداد حجاج خراسان والري وطبرستان وجرجان، ويقرأ عليهم كتابا للخليفة، يذكر فيه أنه لم يول يعقوب على ما استولى عليه ظلما، ويأمرهم بالبراءة منه والثورة عليه، ولما بلغت هذه الأخبار يعقوب لم يأبه لها، أول الأمر، ثم خاف على نفسه، فأخذ يعمل على تقوية جيشه استعدادا للطوارئ، وبلغ ذلك الخليفة، فاضطر أن يعترف بالأمر الواقع، ويبعث إلى يعقوب بتوليه خراسان وما إليها من بلاد المشرق، ولكن يعقوب كان قد غضب مما عومل به سابقا، فعزم على الثورة، وأنه لا بد له من الاستيلاء على العراق أيضا، وعلى بغداد نفسها، ولم يتأخر عن تنفيذ عزمه، فجمع جيوشه واتجه نحو العراق، فلما رأى الخليفة المعتمد ذلك، خرج إليه بنفسه وعليه بردة الرسول وفي يده القضيب، والتقى الجيشان بالقرب من دير العاقول، وكانت الغلبة أول الأمر لجيش يعقوب، ثم تغلب الجيش العباسي، واستطاع محمد بن طاهر أن ينجو من أسر يعقوب فأحضره الخليفة مجلسه وخلع عليه، وثبته في ولايته، وقرئ على الناس في يوم 11 رجب سنة 262ه كتاب من أمير المؤمنين فيه مثالب يعقوب، وخبر مشاققته لله ورسوله وخليفته وعزله.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٨