تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

وهكذا انتهت أيام هذه الدولة، التي هي أولى الدول الفارسية المنفصلة عن جسم الإمبراطورية الإسلامية، والتي شجعت أصحاب المطامع من الفرس وغيرهم عن الانفصال، واستطاع الطاهريون بمواهبهم وذكائهم أن يستمروا في الحكم عهدا طويلا، لما كانوا يتمتعون به من مواهب وكفايات وحب للعلم وأهله، ولما لهم من مكانة محلية بين أهل تلك الديار، ولما عزم المعتصم، الذي كان يكره عبد الله بن طاهر، على أن ينقله من خراسان إلى ولاية أخرى لم يستطع تنفيذ إرادته، بل عمل على قتله في الخفاء، وحين هلك عبد الله وأراد الواثق أن يولي إسحق بن إبراهيم المصعبي لم ينفذ فكرته لخشيته من ألا تتم. ولو لم يكن آخر الطاهريين - وهو محمد بن طاهر - ضعيف الإرادة، ميالا إلى اللهو، لما استطاع يعقوب بن الليث الصفار أن يقصيه عن إمارته ويقضي على دولته.

ويجب أن نعلم أن عهد الطاهريين في خراسان كان على العموم عهدا طيبا؛ فقد كانوا - وخصوصا عبد الله - على جانب عظيم من الثقافة وحسن الإدارة، وحب الخير، فنشروا العلم وقربوا العلماء، وأحيوا الأرض الموات، ونظموا الري والسقاية، وجمع عبد الله جماعة من أئمة الفقهاء وأهل الرأي وطلب إليهم دراسة أوضاع الري ومشاكله من الناحية الفقهية والقضائية، فألفوا له كتاب «القني» ولكن فقد مع الأسف.

ولم تكن صلات الطاهريين بالخليفة في بغداد - على الغالب - صلات جفاء، بل كانوا حسني الصلة مع المركز، يقدمون ما عليهم لبيت المال، ويذكر قدامة بن جعفر أن مقدار الخراج الذي كان يدفعه الطاهريون بلغ «48 ألف ألف درهم»، وكان الطاهريون على استقلالهم بإمارتهم لا يقطعون صلتهم ببغداد وأهلها، وهذا ما جعلهم يحرصون على استبقاء ولاية الشرطة في بغداد بأيديهم، حتى بعد أن أجلاهم الصفارون عن ولايتهم في خراسان والري وطبرستان وجرجان وكرمان وسجستان، كما سنرى تفصيل ذلك بعد. (1-2) الدولة الزيادية (203-253ه)

كان أهل اليمن منذ نشأة دولة بني العباس لا يقرون بدولتهم؛ لأنهم يميلون إلى «آل علي» ويرون أن «آل العباس» قد ظلموا العلويين وفتكوا بهم؛ فلذلك لم يخضعوا لحكمهم خضوعا تاما، وكانوا يتحينون الفرص لخلع طاعتهم وتأسيس دولة علوية مستقلة، فكانت الثورات في اليمن لا تهدأ؛ ولذلك بعث إليهم المأمون بقائد عربي قوي هو محمد بن إبراهيم الزيادي، أحد أبناء زياد بن أبي سفيان، فولاه اليمن في سنة 203ه، وكان إنسانا قويا فاتكا، فتوجه إلى مكة للحج، ثم قصد اليمن ففتح تهامة، واختط مدينة زبيد، ثم شرع في تتمة فتح بلاد اليمن حتى أخضعها جميعها، وقضى على روح الثورة، وأرجع الخطبة للعباسيين، وما زال أمر الزيادي هذا في نمو، وسلطانه في قوة، حتى صار كالملك المستقل، إلا أنه استمر في ولائه للعباسيين، وفي حمل الهدايا والخراج إليهم.

وقد طال ملكه إلى سنة 245ه، ثم انتقل الأمر إلى أبنائه وأحفاده فمواليهم إلى سنة 253ه، وهذه الدولة هي أولى الدول التي انفصلت عن بغداد في الجزيرة العربية، ولم يعد للخلفاء العباسيين ومن بعدهم من حكام العراق وغيره، سيطرة على اليمن منذ ذلك الحين؛ فقد قامت بعد الدولة الزيادية دول علوية الهوى زيدية المذهب، استمرت في السيطرة على اليمن إلى أيام الفتح العثماني. (1-3) الدولة الزيدية (250-355ه)

كان العلويون ينتهزون كل فرصة للقيام بحركات طلبا لحقهم في الخلافة؛ ففي أيام الفتنة بين «الأمين والمأمون»، قاموا يطالبون بحقوقهم، ويعلنونها ثورة على العباسيين، وكانت لهم حركات أخرى، منها حركة أبي السرايا السري بن منصور، الذي ثار بالكوفة ومعه ابن طباطبا سنة 199ه وهو محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن، وامتد نفوذه حتى بلغ واسطا والحجاز، ولولا موت ابن طباطبا، ثم موت أبي السرايا نفسه سنة 201ه، لكان لهذه الحركة العلوية شأن آخر. وفي أيام المعتصم ثار منهم محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي في الكوفة، وعظم أمره إلى الطالقان في خراسان، وهو يدعو إلى «الرضا من آل محمد» فاجتمع إليه خلق كثير، ووقعت بينه وبين عبد الله بن طاهر أمير خراسان وقعات، ثم أسر محمد، وسيق إلى المعتصم، فحبسه بسامراء سنة 219ه، ثم تمكن من الهرب ولم يعرف له خبر، ويعتقدون أنه حي غائبا، وأنه يعود ويملأ الأرض عدلا.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٧