تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نشأ طاهر ببوشنج كما ينشأ أبناء الوجوه، وكان شجاعا أديبا، وهو أحد قواد المأمون، لعب دورا هاما في الفتنة بين الأمين والمأمون، وكانت له يد كبيرة في فوز المأمون على أخيه، فكافأه المأمون على بلائه الحسن لما تم له النصر على الأمين، وذاعت شهرته وسمت مكانته، فولاه الجزيرة وجانبي بغداد، وأحسن القيام بأعماله هذه. وفي سنة 205ه ولاه أمر خراسان، وما إليها إلى أقصى المشرق فسار بالناس أحسن سيرة، وحمد له المأمون والأهلون دهاءه وعقله وأمانته، قال ابن طيفور في تاريخ بغداد، نقلا عن يحيى بن أكثم إن المأمون قال: «ما حابى طاهر في جميع ما كان فيه أحدا، ولا مالأ أحدا، ولا داهن ولا وهن ولا وني ولا قصر في شيء، وفعل في جميع ما ركن إليه ووثق به أكثر مما ظن له وأمله، وأنه لا يعرف أحدا من نصحاء الخلفاء وكفاتهم فيمن سلف عصره ومن بقي في دولته، على مثل طريقته ومناصحته وغنائه وإجزائه.» ويظهر أن الثقة التي وثقها المأمون بعامله، جعلت طاهرا يغتر بنفسه بعد أن أقام فترة في خراسان؛ فقد طمحت نفسه إلى الانفصال عن الدولة، وأعلن عصيانه على الخليفة سنة 207ه، ولما كتب إليه الخليفة بغضه على بعض ما بلغه عنه، أجابه طاهر بن الحسين جوابا أغلظ فيه، ثم تطور الأمر بين الخليفة وطاهر، فقطع طاهر في الخطبة للخليفة، وساءت الأمور. روى صاحب بريد المأمون في مرو قال: حضرت مرة صلاة الجمعة فصعد طاهر المنبر، فخطب، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له وقال: اللهم أصلح أمة محمد

صلى الله عليه وسلم

بما أصلحت به أولياءك،

1

ولما وصل صاحب البريد إلى المأمون وأخبره بخبر طاهر غضب، وأراد أن يفتك به، ولكنه أدرك قوة سلطانه في إقليمه، فأحجم عن ذلك، ثم إن طاهرا لقي حتفه فجأة، وعلى الرغم من اضطراب أقوال المؤرخين في سبب وفاته، فيظهر أن المأمون قد سلط عليه من دس له السم فهلك.

قال صاحب الفخري، ص199: «كان المأمون، لما ولى طاهر بن الحسين خراسان استشار فيه أحمد بن أبي خالد الأحول وزيره، فضرب أحمد الرأي في توليته طاهر، فقال المأمون لأحمد: إني أخاف أن يغدر ويخلع ويفارق الطاعة. فقال أحمد: الدرك في ذلك علي. فولاه المأمون. فلما كان بعد مدة أنكر المأمون عليه أمورا، وكتب إليه كتابا يتهدده، فكتب طاهر جوابا أغلظ فيه للمأمون، ثم قطع اسمه من الخطبة ثلاث جمع، فبلغ ذلك المأمون، فقال لأحمد: أنت الذي أشار بتولية طاهر، وضمنت ما يصدر منه، وقد ترى ما صدر منه من قطع الخطبة ومفارقة الطاعة، فوالله لئن لم تتلطف لهذا الأمر وتصلحه كما أفسدته، وإلا ضربت عنقك. فقال أحمد: يا أمير المؤمنين طب نفسا، فبعد أيام يأتيك البريد بهلاكه، ثم إن أحمد أهدى لطاهر هدايا فيها كوامخ

2

مسمومة، وكان طاهر يحب الكامخ فأكل منها فمات من ساعته.»

وقد رأى المأمون ألا يقصي آل طاهر عن الحكم لما رآه من قوة سيطرتهم على تلك البلاد، فولى طلحة بن طاهر موضع أبيه، وقد احتفظ أبناء طاهر بسلطانهم على تلك الديار فترة غير قصيرة، وكان هذا أول حدث في تجزئة الإمبراطورية الإسلامية.

وأبرز أمراء آل طاهر هو عبد الله بن طاهر، وكان عمره حين لمع اسم أبيه في حوادث الأمين نحو ست عشرة سنة، وتربى في كنف المأمون، وكان يحبه ويحسن إليه، فلما كبر ولاه محاربة شيث بن ربعي، ثم ولاه شرطة بغداد، ثم بعث به إلى مصر لما ثار أميرها عبيد الله بن السري، فوضع الأمن في نصابه، لما كان عليه من الدهاء والسياسة والإدارة. وفي سنة 213ه ولاه خراسان وما إليها من بلاد المشرق، فثبت أركان الدولة كما وطد دعائم حكم الأسرة الطاهرية فيها. ثم تتابع على الحكم جماعة من آل طاهر، كانوا يدينون للخلافة اسما وهم مستقلون بالبلاد فعلا، يستغلونها لأنفسهم، ويوسعون حدودها، حتى بلغت تخومهم الهند، ونقلوا عاصمتهم من مرو إلى نيسابور وظلوا في الحكم إلى أن أجلاهم الصفارون واستولوا على بلادهم.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٦