تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

ولا شك أن في ذلك عناية ما بعدها عناية لأهل الفنون والصنائع من نظرية وعملية، وقد كانت للمعتضد أعمال كثيرة تدل على حسن رعايته لأهل الفنون والعلم.

أما دور العلم ومراكز الثقافة التي وجدت في هذين العنصرين فأجل من أن تحصى في أية بقعة من بقاع الإسلام، ويقال إن أول من حفظ عنه أنه أسس مدرسة في الإسلام هم أهل نيسابور، حيث بنيت «المدرسة البيهقية» ثم «مدرسة الأمير نصر بن سبكتكين»، وكان السلاجقة ووزراؤهم منذ عهد ألب أرسلان من أكثر الناس عناية ببناء المدارس، ومعاهد العلم، لتخريج الفقهاء والعلماء والحكماء والمتكلمين، وقد كانت للوزير العالم الأجل نظام الملك الطوسي تلك المسيرة التي زين بها تاريخ السلجوقية، وهي تأسيس المدارس النظامية في إيران والعراق.

2

وقد زود تلك المدارس بكل ما تحتاج إليه لتخريج الأئمة والعلماء في الدين والأدب والحكمة، ثم تتابع على ذلك أولاده وخلفاؤه من الوزراء حتى عمت إيران والعراق المدارس ودور الكتب. ويقول المستشرق روبن ليفي: «إن المدارس والجامعات الأوروبية الأولى اقتبست بعض تراتيبها التعليمية عن المدرسة النظامية.»

3

وقد كان لهذه المدرسة مدرس كبير واحد يختار من كبار أئمة العلم في العصر، ويعينه مدرسان آخران يطلق عليهما اسم «معيد» لتلاوة المحاضرات بعد انتهاء الدرس، وقد وصف لنا الرحالة ابن جبير درسا من دروس النظامية حضره حين زار بغداد سنة 580،

4

فممن درس فيها: الإمام أبو إسحاق الشيرازي إمام الشافعية في عصره، والإمام الغزالي، وابن شداد المؤرخ، وقد نجت النظامية من نكبة هولاكو واستمرت تؤدي رسالتها إلى القرن التاسع، ولم نعد بعد هذا الوقت نسمع بأخبارها.

5

أما الشام فيظهر أن طرابلس كانت أقدم بلد فيه أسست المدارس؛ فقد رووا أن الأمير القاضي علي بن محمد بن عمار صاحب طرابلس في النصف الثاني من القرن الخامس سنة 472، أسس أول دار حكمة لبث الفقه الشيعي، وكانت البلدة في عهده كعبة العلماء في العصر.

وقالوا إن نور الدين محمود بن زنكي لما استولى على الشام أسس المدارس لأهل السنة والجماعة، وأخذ يستدعي الفقهاء والصوفية ويقيم لهم المدارس والربط في دمشق، وأنه بنى المدرسة العصرونية في حلب لشرف الدين بن أبي عصرون عالم سنجار في سنة 545ه/1127م، وبنى له مدارس أخرى في دمشق ومنبج وحمص وبعلبك، كما بنى لقطب الدين النيسابوري الحكيم الرياضي المفسر، المدرسة العادلية بدمشق

6

ويذكر ابن جبير الذي زار دمشق سنة 580ه/1184م أنه كان بها نحو من عشرين مدرسة تقوم بالإنفاق على من يدخل فيها طلبا للعلم، كما ذكر أن مارستاناتها ورباطاتها كانت من مفاخر الإسلام، ويقول إن بها مدرسة للهندسة وثلاث مدارس للطب،

7

وبلغت حجرات المدرسة الفخرية بها 360 حجرة، كما يذكر أن عدد مدارس بغداد كان نحوا من «30» مدرسة لشتى أنواع العلم والأدب.

وقد نبغ في الدولة الإسلامية في هذه الفترة طوائف من الأئمة في علوم الدين والدنيا كانوا وما زالوا مفاخر الإسلام، ممن أنتجتهم هذه المدارس أمثال:

الإمام الغزالي:

الذي تعلم في نظامية نيسابور، ثم قدم بغداد فعكف على التعلم والتعليم في نظامية بغداد نحوا من خمس سنوات، ولما قتل الباطنيون نظام الملك عكف الغزالي على دراسة أحوال هؤلاء القوم وانتقد عقائدهم، وطاف العالم الإسلامي يحاربهم، ثم رجع إلى نيسابور مدرسا في نظاميتها فترة، تلبية لرجاء الوزير فخر الملك بن نظام الملك، ثم اعتزل التدريس قاصدا مسقط رأسه طوس، منصرفا إلى العبادة والتأليف إلى أن مات سنة 505ه.

الرئيس ابن سينا:

الحسين بن عبد الله سنة 428ه/1037م، الإمام الفيلسوف صاحب التآليف في الطب والمنطق والطبيعيات والإلهيات، وأشهرها القانون والشفاء والإشارات.

الحكيم الخيام:

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٦٣