15
وعقد صلاح الدين في 15 صفر سنة 569ه/1172م معاهدة تجارية بينه وبين جمهورية بيزا منح البيسيين عدة امتيازات، وتقاضى منهم مقابلها ضرائب معينة.
وكان لأهل الجمهوريات الإيطالية مزايا كثيرة في ديار الشام، كما كانت لهم مراكز في مصر، واعتاد الأوروبيون بعد الحروب الصليبية على كثير من بضائع الشرق الإسلامي وأغذيته، فقويت الصلات بين الجانبين، وأصبحت جزيرة قبرص بمكانة رفيعة لأنها النقطة المتوسطة بين أوروبة وديار الشام ومنافذ النيل.
قال المؤرخ صالح بن يحيى صاحب تاريخ بيروت: «إن مراكب البنادقة أخذت تتردد إلى بيروت بعد الحروب الصليبية بالمتاجر قليلا قليلا، وكانت مراكب البنادقة تحضر إلى قبرص، فيرسل صاحب قبرص بضائعهم في شونتين
16
كانتا له إلى بيروت نقلة بعد أخرى، وكان للقبارصة جماعة فيها، ولهم فيها خانات وحمامات وكنائس ثم بطل ذلك.» وكان على ميناء بيروت دواوين وعمال ومشارفون وشاد
17
يوليهم نائب دمشق.» يقول الأب لامنس: «في سنة 1136م جاءت مراكب فرنسية وعليها تجار فرنسيون من مرسيليا، ثم أخذت بعض مرافئ فرنسة كمونبيليه وآرل تبعث بسفنها إلى الشرق، وبذلت جنوة جهدها لتبقى لها الأفضلية في التجارة مع الشام، وكانت عكا المرفأ الأعظم أولا بين موانئ الشام وقاعدة التجارة ومركز القناصل العامين، ثم مرافئ صور وطرابلس والسويدية التي كانت تسمى ميناء مارسمعان ثم بيروت، ومنذ القرن الخامس عشر تقدمت بيروت سائر موانئ الشام، أما البضائع التي كان التجار الفرنج ينقلونها إلى بلادهم، فأهمها الحرير والقطن والكتان والأنسجة من حريرية وقطنية ومزركشات ومذهبات وشغوف ومناديل مما يصنع في معامل الموصل وحلب وحماة وحمص ودمشق، وكان الزجاج العراقي والصوري والطرابلسي موضع إعجاب الأوروبيين، فكان ينقل إليهم. وكان للسكر ومصنوعاته والبهارات والتوابل وغير ذلك مما تستورده أسواق حلب من الهند والعجم سوق رائجة في أوروبا. أما السفن التي كانت ترد من أوروبا إلى المشرق فكانت تحمل جوخ الفلاندر والآلاف من حجاج بيت المقدس.»
ومما تجدر الإشارة إليه أن الأوروبيين بدءوا منذ ذلك الحين يقيمون قنصليات لهم في هذه الديار، ويقال إن أول قنصل كان للبنادقة هو «فرنسيسكو واندللو» وكان في دمشق سنة 1384ه، ويقول الأب لامنس: «إن أول ما ورد اسم القنصل في حملة النزالة الجنوبية التي كانت في عكا أواسط القرن الثاني عشر، وأنهم قد دعوه أولا نائب القومص أو القومس
Vicont Vicecong
ثم انتشرت هذه الرتبة في أماكن شتى في النصف الثاني من ذلك القرن، وعرف أصحابها بالقناصل، وأطلق أولا على الإيطاليين، وبعد زمن طويل صار للفرنسيين قنصل.» ويذكر
Rey
في كتابه:
Les Colonies Francaises en Syrie ، ص7 «أن قناصل فرنسة في مدن صور وجبيل وأنطاكية كان لهم الإشراف على الفنادق الموسومة باسمهم، وقد بالغت بعض الجوالي الأجنبية فأقامت لها محاكم خاصة للنظر في قضاياهم التجارية، كما أقاموا سجونا لتنفيذ عقوبات من يحكم عليه من رعاياهم.»
18
الفصل السادس
| الوضع العلمي والثقافي
كان هذا العهد - على الرغم من اضطراب السياسة فيه - عهدا زاهيا بالعلم والثقافة والعرفان؛ فقد بلغت مرو وشيراز وبغداد والموصل وحلب ودمشق والقدس والقاهرة درجات رفيعة من العلم في القرنين الخامس والسادس، وكان الخلفاء والسلاطين والأمراء يشجعون أهل العلم ويكرمونهم ويقتنون الكتب ويحسنون إلى مؤلفيها، ويغدقون العطاء عليهم، ولم يكن هذا الإحسان وتلك العناية خاصة بعلماء الدين والعربية والحكمة، بل كان يشمل أهل الفنون والصناعات، وقد رووا أن المعتضد العباسي لما أراد بناء قصره ببغداد استزاد فيه في الذرع بعد أن فرغ من تقدير ما أراد فسئل عن ذلك، فذكر أنه يريده ليبني فيه دورا ومساكن ومقاصير، يرتب في كل موضع رؤساء كل صناعة ومذهب من مذاهب العلوم النظرية والعملية، ويجري عليهم الأرزاق السنية ليقصد كل من اختار علما أو صناعة رئيس ما يختاره، فيأخذ عنه.»