قاد هذه الحملة الإمبرور فريدريك الثاني صاحب صقلية سنة 1228م/624ه؛ فقد كان داهية سياسيا، لم يدخل في حرب، ولكنه فاوض الملك الكامل الأيوبي على استلام القدس وبيت لحم والناصرة، وهي المحلات المقدسة عند المسيحيين، فأجابه إلى ذلك لمدة عشر سنوات، على ألا يتعرضوا لقبة الصخرة ولا المسجد الأقصى، ويكون الحكم في الرساتيق المجاورة إلى والي المسلمين.
ولما بلغت هذه الأخبار إلى العالم الإسلامي قامت قيامة الناس على سوء تصرف الملك الكامل، وأقيمت المآتم، فحدقت قلوب أهل دمشق على الملك الكامل وفسد أمره من ذلك الحين، وساءت أمور الأيوبيين حتى استمد بعضهم بالفرنج ،
13
وظلت البلاد في اضطراب حتى الزحف المغولي.
ولما جاء هولاكو سنة 657ه قضى على الجميع، وظلت القدس بأيدي الصليبيين إلى أن استردها الملك الصالح أيوب في سنة 637-647ه بمساعدة الخوارزميين. (1-7) الحملة السابعة
في سنة 690ه/1270م عزم الملك القديس لويس التاسع، ملك فرنسة بعد أن خرج من الأسر وعاد إلى بلاده، على أن يسترجع بيت المقدس وينتقم لنفسه من المسلمين الذين أسروه في المنصورة، ولم يتخلص منهم إلا بمبلغ جسيم، فأخذ هو وأخوه يجمعان جموعهما لفتح تونس ومصر والشام واحتلال القدس، ولكن ذلك لم يتم؛ فقد مات في تونس بالطاعون سنة 1270م/690ه، وقضي على الحروب الصليبية. وهكذا انتهت هذه الحروب بعد أن دامت قرنين من سنة 491ه إلى سنة 690ه، وقد كان لها نتائج خطيرة نجمل بعضها بالنقاط الآتية: (1)
إن حملات الصليبيين عاقت المسلمين عن التقدم والسير في سبيل الحضارة التي كانوا يسيرون إليها بخطوات سريعة في العصر العباسي الأول، ثم بخطوات بطيئة في العصر الثاني والثالث. (2)
أفادت تلك الحملات الصليبيين فوائد جليلة لأنها أطلعتهم على مقدار الحضارة والتقدم في ديار الإسلام والروم معا. (3)
نقل الصليبيون بعد هذه الحملات صناعات كثيرة عن بلاد الشام ومصر، كصناعة الورق والنسيج والحديد والأسلحة والزيوت. (4)
أفاد الأوروبيون الصليبيون وبخاصة الطليان من بنادقة وجنويين وبيسيين، فوائد مادية جلى في التجارة والاقتصاد من المشرق حتى بعد انتهاء هذه الحروب. (5)
كان من جراء هذه الحروب إيقاد روح التعصب المقيت بين المسلمين ومن في بلادهم من أهل الذمة بعد أن كادت هذه الروح تنمحي، وقد لقيت منها بلاد الإسلام شرا مستطيرا. (6)
استفاد الصليبيون كثيرا من ثقافة العرب والمسلمين فدخلت لغاتهم كثير من الكلمات العربية، وتطعمت آدابهم بالآداب العربية، ونقلوا كثيرا من كتب العلم والفن والحكمة، من شرح فلسفة أرسطو إلى كتب علم الطبخ والموسيقى والأزياء والأقمشة والزهور والبقول والنبات. (7)
نقل الصليبيون كثيرا من أصول الهندسة البنائية وريازة العمران
Architecture
وتجلى ذلك في كثير من الأبنية من قصور وكنائس التي زخرفوها بالأرابسكا
Arabesques . (8)
نقل الصليبيون كثيرا من عادات أهل الشام ومصر إلى ديارهم، كما تأثر المسلمون بالصليبيين في كثير من عاداتهم في البيوع والتجارة واللباس والطعام.
14 (2) التجارة الخارجية
قويت في هذه الفترة الصلات التجارية الخارجية بين المسلمين وبين الروم وأوروبة وجزر البحر الأبيض المتوسط قوة واضحة، وكانت تجارات العراق والمشرق تقلع من موانئ صور وطرابلس - أكبر موانئ الساحل الشرقي - إلى سواحل القسطنطينية في بحر إيجة وخليج البندقية، وبحر تيطس (الأسود) وجزر قبرص ورودس وإقريطس.
كان هذا كله قبل الحملات الصليبية، أما بعد أن كانت هذه الحملات، فقد ازدادت الصلات التجارية الخارجية، وتوثقت جدا، ويقول بيكولوتي: «إن أربع موانئ هي: عكا، وبيروت، وطرابلس، واللاذقية، وخمس مدن داخلية هي: الرملة، ودمشق، وحماة، وأنطاكية، وحلب، قد استفادت من التجارة مع اللاتين ولا سيما البيسيين، والجنويين، والطسقانيين، وكلهم إيطاليون، وهذه الجمهوريات الأربع، بيزة وجنوة والبندقية وطسقان، التي كانت تقتسم إيطاليا، هي أول من اتجر مع الشام من أمم الغرب وجاراهم بعض تجار من أهل بلجيكا وإنكلترا، ثم عدلوا لبعد بلادهم. وكان لهؤلاء الطليان والفرنسيين من التجار - أمالفي ومارسيليا - مكاتب تجارة في الإسكندرية، وفي المدن الساحلية والداخلية في الشام يقايضون بواسطتها حاصلات الشرق مع حاصلات الغرب، ولما فتح الجنويون ثم البنادقة جزيرة قبرص، زادت صلات الشام مع هذه الجزيرة التي هي على بعد 93 كيلومترا من ساحل الشام.»