وفي ذلك اليوم الأغر يوم فتح القدس، يقول عبد المنعم الحلباني في قصيدته التي قالها مهنئا صلاح الدين، رضي الله عنه:
وفيت لهم حتى أحبوك ساطيا
بهم ووفاء العهد قيد المخاصم
فخافوا فخابوا فانتدوا فتلاوموا
فقالوا خذلنا بارتكاب الجرائم
وخص صلاح الدين بالنصر إذ أتى
بقلب سليم راحما للمسالم
فخطوا بأرجاء الهياكل صورة
لك اعتقدوها كاعتقاد الأقانم
يدين لها قس ويرقى بوصفها
ويكتبه يشفى به في التمائم (1-3) الحملة الثالثة
بينما كان صلاح الدين على أسوار عكا سنة 586ه جاءته الأخبار من بلاد الروم أن ملوك أوروبا قادمون لينجدوا الصليبيين في الشام ومعهم مائة ألف صليبي، فحزن الناس وكانت هذه الحملة مؤلفة من ثلاثة ملوك هم «فريدريك باربروس» ملك ألمانيا الذي غرق في الطريق، و«فيليب أوغست» ملك فرنسة، و«ريكاردوس» قلب الأسد ملك إنكلترا، وقد وصلت الحملة إلى عكا، بعد أن فتحت قبرص، فتلقتها جيوش المسلمين في عكا فردوهم عنها، ثم ساروا إلى يافا فأخلاها المسلمون ورأى السلطان تخريب عسقلان والرملة واللد، وسار إلى القدس، وراسله الصليبيون على الصلح، فلم يقبل ووقعت بين الجانبين معارك، ثم طلب ملك الإنكتار (الإنكليز) الصلح، فصالحه صلاح الدين بعد فشل المسلمين في الاستيلاء على عكا، وعقدت الهدنة بين الجانبين في البر والبحر لثلاث سنوات وثلاثة أشهر، على أن تستقر بيد الفرنج موانئ يافا وعكا وقيسارية وأرسوف وحيفا، وتظل عسقلان خرابا. واشترط السلطان دخول بلاد الإسماعيلية في الهدنة، واشترط الفرنج دخول أنطاكية وطرابلس في الهدنة، وأن تكون اللد والرملة مناصفة بينهما فتم ذلك. وكانت وفاة صلاح الدين بعد الهدنة بيسير، تغمده الله برحمته. (1-4) الحملة الرابعة
لما مات صلاح الدين واضطرب الأمر بين أولاده وابن أخيه الملك العادل، قوي الصليبيون وأخذوا يجمعون جموعهم لغزو المسلمين، ولكن ما عتم الملك العادل أن وضع يده على المملكة الأيوبية كلها، وتخلص من أولاد أخيه صلاح الدين، الأفضل، والظاهر، وتم له ملك الشام ومصر. وحدث في سنة 595ه أن تجمع الفرنجة في حصن الأكراد والمرقب وأغاروا على حماة. ثم في سنة 600ه خرجوا إلى بيت المقدس فهرع إليهم الملك العادل، واضطروا إلى مهادنته، وتم الصلح على أن يسلم إليهم مدن يافا والناصرة واللد والرملة. (1-5) الحملة الخامسة
وفي سنة 602ه/1204م قدم على سواحل عكا جمع عظيم من الصليبيين الألمان والنمساويين والمجر والهنكر فدخلوها، وانثالوا على المدن المجاورة والأيوبيون لاهون بالمشاكل بينهم، وقد غنم الصليبيون من المسلمين مغانم كثيرة، وكان في هذه الحملة كثير من الصليبيين الشبان المتحمسين من فرنسة وألمانية حتى سميت هذه الحملة بحملة الشبان. ولما مات الملك العادل في سنة 615ه ازداد البلاء على المسلمين وطمعت الفرنج فيهم، واستولوا على كثير من ديار الشام ومصر، ولما استولى الفرنج على دمياط واتجهوا نحو المنصورة عظم الأمر على بني أيوب وطلبوا إلى الفرنج الصلح على أن يتنازلوا لهم عن القدس وعسقلان وطبرية واللاذقية وجبلة وجميع ما فتح صلاح الدين من الساحل، ما عدا الكرك والشوبك، فلم يرض الفرنج، وطلبوا ثلاثمائة ألف دينار لقاء تخريب سور القدس وقالوا لا بد من تسليم الكرك والشوبك. فجمع الأيوبيون صفوفهم وعزموا على لقاء عدوهم، وتم لهم النصر على الفرنج وأسر ملكهم القديس وثلاثون ألفا من رجاله.
وقال ابن أبي شامة: «وبلغني أن النصارى ببعلبك سودوا وسخموا وجوه الصور في كنيستهم حزنا على ما جرى على الفرنج.» ولم يكن سبب تسليم القدس ثانية للصليبيين آتيا من ضعف القوى الإسلامية، بل للخلاف بين الملكين الكامل والمعظم؛ فقد كان الكامل يخشى إن توجه لمقاتلة الإمبراطور فريدريك قائد الحملة السادسة أن يفاجئه الملك المعظم؛ ففضل تسليم القدس إلى فريدريك، ولله في خلقه شئون. (1-6) الحملة السادسة