فقد كان الوزير في السابق كاتبا، يتلقى أوامر الخليفة فيبلغها من يريد أو يستكتبه فيكتب له، أو يستشيره فيشير عليه، وحيثما كان يحس الخليفة بتعاظم نفوذ وزيره أو يشعر بأية ريبة منه يقصيه عن منصبه أو يصادره ويقتله، أما في هذه الفترة فقد صارت الوزارة إلى مكانة سامية، وربما نافست صاحب السلطة العسكرية نفسه، أمير الأمراء، وخصص لصاحبها دار ومقر إلى جانب دار الخلافة، إن لم يكن في دار الخلافة نفسها، يتصرف بما يريد، ويحكم بما يشاء، ووجدت فترة أصبحت الوزارة فيها وراثية في بعض البيوتات أو كالوراثية، يتناقلها آل بيت واحد، كابرا عن كابر، كآل الفرات، وبني وهب، وبني متلة، وغيرهم ممن سبق ذكرهم، وقد أضفي على الوزارة في هذه الفترة كثير من ألقاب التضخيم والإطناب، ومنح صاحبها أسمى الرتب، وأعلى الامتيازات والشارات، التي كان بعضها قبلئذ من خصائص الخليفة. (6) ظهور نوع من الدواوين الجديدة
ظهر نوع من الدواوين الجديدة التي اقتضتها تطورات الحالة العامة في البلاد مثل «ديوان الاستخراج»، شقيق «ديوان المصادرات» وهو الديوان الذي كان يتولى صاحبه التحقيق عن الأموال المصادرة للكتاب والوزراء والقادة، الذين يفصلون عن أعمالهم، وقد عظم شأن هذا الديوان في أخريات هذا العصر لكثرة المصادرات، واضطراب الأمور، وحاجة الدولة إلى الأموال لقلة الوارد وكثرة النفقات، وسوء الإدارة وكثرة ارتشاء العمال والقادة والوزراء ومن إليهم، ومثل «ديوان ضريبة الإرث» التي أحدثت في خلافة المعتمد فيما يظهر. (7) قوة شأن أصحاب العقائد والأفكار الدينية والاجتماعية والفلسفية
كانت الدولة في العصر الماضي تحمل على هذه الأفكار بقوة كالزنادقة والقرامطة والخوارج؛ فقد تنفس هؤلاء القوم الصعداء، لضعف شأن الخلافة وانصراف أهل الحل والعقد فيها عن الاهتمام بالأمور العقائدية والفكرية والدينية والاجتماعية، إلى مصالحهم الشخصية، وجمع الأموال وبناء القصور، وتقوية النفوذ والسلطان، فإذا تعرض أصحاب العقائد والحركات إلى شيء من مصالح أولي الحل والربط، قاموا عليهم وفتكوا بهم، وإلا ألقوا حبلهم على غاربهم.
الفصل الرابع
| في نتائج الانحلال
نتج من انحلال الدولة العباسية في هذا الحين أمران خطيران رئيسيان؛ الأول: انقسام الدولة إلى دويلات. والثاني: قوة أمر أصحاب العقائد والمذاهب المخالفة لمذهب الخلافة.
وإليك تفصيل هذين الأمرين: (1) ظهور الدويلات الجديدة وهي (1) الدولة الطاهرية. (2) الدولة الزيادية. (3) الدولة الزيدية. (4) الدولة الصفارية. (5) الدولة السامانية. (6) الدولة الساجية. (7) دولة الأدارسة. (8) دولة الأغالبة. (9) دولة الطولونيين. (10) دولة الإخشيديين.
فقد كان طبيعيا، بعد هذا الانحلال الذي رأينا مظاهره ومجاليه، أن تتجزأ الدولة الكبرى وتنفصل عنها دويلات ترتبط بها اسما، وما هي في الحقيقة إلا دولة مستقلة، استقل أصحابها ببلادهم، وتمتعوا بخيراتها وأبقوا للخليفة الاسم الوهمي الذي لا طائل تحته، ولم يبقوا له إلا النفوذ الروحي والأثر الديني، والحق أن أولى هذه الدويلات التي استقلت في المشرق استقلالا حقيقيا عن دولة الخلافة، هي الدولة الصفارية، أما الدولة الطاهرية، التي يرجع عهدها إلى ما قبل العصر الذي نؤرخه، فقد أبقت بعض العلائق القوية بينها وبين المركز في بغداد، وإنما نذكرها ها هنا؛ لأنها هي أولى الدول التي ابتدعت بدعة الانفصال، وقد أشرنا إلى بعضها في «عصر الازدهار». (1-1) الدولة الطاهرية (205-259ه/820-872م)
أول من أسس هذه الدولة هو الأمير طاهر بن الحسين بن مصعب الخراساني، وهو من بيت عريق في إيران، ولد ببوشنج من أعمال مرو سنة 159ه، وكان جده مصعب بن زريق بن ماهان، واليا عليها وعلى هراة، وكان قبل ذلك كاتبا وصاحب سر سليمان بن كثير الخزاعي أحد دعاة الدولة العباسية.