تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13

ولم تطل حركة جلال الدين هذه طويلا؛ فإنه بعدما مات، خلفه ابنه علاء الدين محمد، فرجع عما كان سار عليه أبوه حينما اكتسح المغول الدولة الخوارزمية، فوقف منكوبرتي ضده وفتك بالإسماعيلية سنة 624ه، ولكن هولاكو فتك بهم سنة 654ه/1256م قبل مسيره إلى بغداد،

14

وأسر هولاكو زعيمهم ركن الدين خورشاه. وهكذا انتهى أمر الإسماعيلية في النهاية بعد استيلاء هولاكو على قلعة الموت، ولم يبق في أيديهم إلا قلاعهم الشامية، ومنذ ذلك الحين تشتتوا ما بين شمالي سورية وفارس وعمان وزنجبار والهند على الأخص؛ حيث يقيم منهم حوالي مائة وخمسين ألفا يعرف واحدهم بالخوجة أو المولى، وهم اليوم خاضعون لسلطة آغا خان الذي ينتسب إلى آخر داعي دعاة في الموت،

15

ولا يزال قسم منهم موجودا في مدينة سلمية والقدموس ومصياف في سورية، كما أن في سورية اليوم صنفا آخر منهم يعرف باسم «النصيرية» أو «العلوية» وهم إسماعيليون في الأصل، يرجع اسمهم إلى محمد بن نصير الذي ظهر في الشطر الثاني من القرن التاسع، ويبلغ عددهم نحوا من ثلاثمائة ألف في سورية، ويقيمون في محافظة اللاذقية.

الفصل الخامس

| في الأحوال الخارجية

(1) الحروب الصليبية. (2) التجارة الخارجية. *** (1) الحروب الصليبية (1-1) الحملة الأولى

تبتدئ الحملة الصليبية الأولى بين المسلمين ونصارى أوروبا في سنة 1095م/488ه، أما النضال بين المسلمين والنصارى، فيرجع إلى عهد أقدم؛ أي حين تمكن المسلمون أن يسيطروا على ما كان بيد دولة الروم الشرعية من أقاليم حوض البحر الأبيض المتوسط في الشرق، وحين سيطر على شبه جزيرة إيبريا في أوروبا؛ فقد تركت المسيحية للإسلام تلك الديار وفي نفسها حسرة، وكانت تفكر دوما في استعادتها حتى استطاعت استعادة شبه جزيرة إيبريا، وقضت على الإسلام في المغرب العربي (بديار الأندلس). أما في المشرق فإن سلسلة الحروب والغزوات التي كانت بين المسلمين والروم منذ أيام عمر بن الخطاب إلى عهد ريكاردوس قلب الأسد في الحروب الصليبية، ثم في عهد الجنرالين اللنبي وغورو في الاحتلال البريطاني والفرنسي للشرق الأوسط، ثم في حملة قنال السويس الأخيرة وضرب مدينة بورسعيد من قبل القوات الفرنسية والإنكليزية سنة 1956م، ما هي إلا رد على حملات الإسلام الأولى التي أقضت تمضجع النصرانية.

لم تنقطع الحروب بين المسلمين والروم في آسية الصغرى منذ أيام بني أمية وبني العباس إلى عهد سيف الدولة، وكانت هذه الحروب سجالا بين الجانبين، وقد اشتدت هذه الحملات قوة في عهد سيف الدولة ونقفور فوكاس؛ فقد كان لسيف الدولة حملات قاسية كما كان لخصمه نقفور حملات مشابهة، وقد استطاع إمبراطور الروم نقفور في سنة 964م/322ه طرد المسلمين من جزيرة إقريطس (كريت)

1

وقد هدأت حملات الإمبراطورية البيزنطية فترة، حين وقعت الحرب الأهلية بينهم، فخلع الإمبراطور نقفور وحل محله حنا الشمشيق

John Zimiskes

المعروف بالدمستق، وقد كان هذا جبارا ذا مطامع، وضع بيت المقدس أمام عينيه ولكنه مات ولم يصل إلى مطمحه لقوة الدفاع الإسلامي.

ويظهر أن الإمبراطورية الرومانية البيزنطية، قد وجدت نفسها محتاجة إلى الاستعانة بالغرب الكاثوليكي ضد المسلمين فعمدت إلى ذلك. ويذكر بعض المؤرخين أن الإمبراطور «ألكسيس كومنين»

Alexés Comnène

استنجد بروبرت كونت الفلاندر سنة 1071-1093م حينما مر به في سنة 1087م وهو عائد من حجه إلى الأراضي المقدسة

2

ثم إنه كتب إليه رسالة بهذا الخصوص،

3

كما كتب إلى البابا إربان الثاني يستنجد به لتجهيز حملة ضد المسلمين.

والحق أن الحملة الصليبية الأولى في سنة 488ه/1095م لم تكن إلا حجا مسلحا، شجع عليه البابا، وأثار عواطف النصارى على ما يلقاه النصارى في المشرق، وبخاصة بيت المقدس، وذلك حين دعا إلى مؤتمر «كلير مونت» يوم الأحد في 18 كانون الأول سنة 1095م/488ه، واتخذ المؤتمرون من نصارى أوروبا الكاثوليك قرارا بإنفاذ الحملة الصليبية الأولى للأراضي المقدسة، وأخذ «المؤمنون» ينخرطون في الحملة، ولم يكتف البابا بذلك بل راح يطوف في أرجاء فرنسة وإيطالية داعيا إلى الجهاد في سبيل إنقاذ مهد المسيح من المشركين.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٥٧