تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك شخصان قد لعبا دورا هاما في حض الناس على المشاركة بهذه الحملة، وهما «بطرس» الناسك الذي جن جنونه في الدعوة لهذه الحملة المقدسة، و«غوتيه المعدم»

Gautier sans avoir

ولما تم جمع المؤمنين خرج بطرس الناسك في نيسان سنة 1096 ومعه خمسة عشر ألف صليبي، فساروا إلى القسطنطينية ووصلوها في 20 تموز سنة 1096م ثم تتابعت الحملات الأخرى كحملة «كودفروا دي بويون»

Gaudfroi de Gouillon

4

التي وصلت في 23 كانون الأول سنة 1096، وحملة «ريموند» كونت «تولوز»

5

وحملة «تنكريدو

6

بوهيمند النرماندي» أمير «تارنت» في 15 نيسان سنة 1097، وحملة الكونت «روبرت كورتهوز بن وليم» الفاتح وأخو «هنري الأول» ملك إنكلترا، وكان فيها عدد كبير من الأشراف والأساقفة والمؤرخ «فوشيه

Fouchet » الذي خلف لنا تاريخا يبين فيه كثيرا من أحوال حملته وصورا مشرفة عن استقبال الروم للصليبيين، وقد اعترفت كل هاته الحملات الصليبية بولائها للإمبراطور البيزنطي، ووعدها بتسليم كل ما تسيطر عليه إليه، واسترجاع الأراضي التي اقتطعها المسلمون من مملكته.

ويقول ابن القلانسي مؤرخ دمشق، إن «الإفرنج عند ظهورهم عاهدوا ملك الروم ووعدوه بأن يسلموا إليه أول بلد يفتحونه، ففتحوا «نيقية».»

7

وهكذا خرجت هذه القوات الصليبية بقيادة «تنكريدو» و«كودفروا دي بويون» كما أنفذ معها الإمبراطور فرقة بيزنطية بقيادة ثاتيكبوس، فحاصروا نيقية ففتحوها وكسروا القوات السلجوقية، ثم ساروا جنوبا، واصطدموا بجيش الأمير قيلج أرسلان السلجوقي فشتت شملهم في 20 رجب سنة 490ه/تموز سنة 1097م ثم أعادوا تجميع قواهم وكسروا المسلمين. ثم اتجهوا نحو «قونية» ووجدوها خالية، فاحتلوها ثم انقسموا ثلاثة أقسام؛ «أحدها» وجهته قيلقيا، «والثاني» إلى أنطاكية، «والثالث» إلى بلاد أرمينية.

أما حملة أرمينية فقد كانت بزعامة «بلدوين دي بويون»، ولا شك في أن اتجاهه ذلك الاتجاه هو انحراف عن الهدف الرئيسي للحملة التي جاءت ل «إنقاذ» بيت المقدس، وما ذلك إلا لأن بلدوين كانت له مطامع شخصية في بلاد أرمينية.

وأما حملة أنطاكية وكانت بقيادة بوهيمند فقد وصلها، وكانت مدينة محصنة فيها أكثر من أربعمائة برج وحصن قائمة على الجبال المحيطة بها، وكان عليها القائد التركي «ياغي سيان»، ولما علم بمقدمهم حصنها واستغاث بدقاق أمير دمشق، وبكر بغا أمير الموصل، وبالسلطان بركياروق، واستطاع أن يصمد أمام الصليبيين إلى أن جاءه الغوث بقيادة دقاق أمير دمشق، والتحم الفريقان واشتد الأمر على الصليبيين واضطر بطرس الناسك إلى الهرب، ولكن «تانكريدو» أرجعه، وباء الصليبيون بفشل مريع، جعلهم يتراجعون ويجمعون قواهم من جديد، ومما زاد في قوتهم أن الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي الوزير الفاطمي قد بعث رسولا إلى الصليبيين لعقد اتفاقية بينه وبينهم ضد السلاجقة المخالفين له في العقيدة، على أن يستقلوا هم بأنطاكية وتكون لهم الحرية الكاملة بإقامة شعائرهم في القدس، وقد رحب الصليبيون بهذه الاتفاقية، وأدركوا ما ينطوي عليه العالم الإسلامي من انقسام. ولما بلغت هذه الأخبار مسامع الملك رضوان السلجوقي صاحب حلب، تناسى خصومته لياغي سيان التركي، وقدم إليه منجدا بقوى كثيرة، والتقى الجيشان وكانت الغلبة للصليبيين لمعاونة الأرمن والنصارى السوريين إياهم في حملتهم، واستمر تقدم الصليبيين إلى حلب والمعرة والبارة.

وقد فرحت الدولة الفاطمية بهذا الانتصار الصليبي لسببين؛ «أولهما» الشماتة بالخلافة العباسية التي تؤيد السلاجقة، و«ثانيهما» اعتقادهم بأن حملة الصليبيين إنما هدفها القدس فقط. واستمر الصليبيون يتقدمون في الديار الشامية حتى سيطروا على بيت المقدس وقضوا على الأمير افتخار الدولة حاكم القدس المصري في 13 تموز سنة 1099 / 23 شعبان سنة 492 بقيادة «تانكريدو» و«غودفروا» بعد معارك دامية، استحال فيها المسجد الأقصى إلى بركة من الدماء؛

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٥٨