وأبرز هؤلاء الطبقات نشاطا هم الفدائيون الذين كان الحسن يختارهم من الشبان الأقوياء المتحمسين البارعين في الاحتيال والتخفي واستعمال الأسلحة المتعددة، ومعرفة اللغات الكثيرة، وكان أبرز أمكنة نشاطهم المساجد والكنائس وقتل خصومهم فيها أيام الجمع والآحاد، وكان من عادتهم أن يكونوا من ثلاثة، حتى إذا ما فشل الواحد في خطته وقتل، قام الآخران بإتمام العمل، وهكذا تمكن للدعوة من قتل كثير من خصومها كالخليفتين المسترشد والراشد، الوزير ونظام الملك وغيرهم كثير، ولا شك في أن براعة الدعاة بإغراء هؤلاء الشبان هي التي جعلتهم يتحمسون بشدة لحركتهم ويتفانون في نشرها.
وقد نقل لنا المستشرق إدوار براون (في تاريخ الآداب الفارسية 2: 207) فصلا عن الرحالة الإيطالي ماركو بولو
8
الذي زار البلاد في القرن السابع، وكتب عن هؤلاء الفدائيين فصلا قال فيه: «إن زعيم الإسماعيلية، الحسن بن الصباح أمر بإنشاء حديقة متسعة غناء، في واد بين جبلين وملأها بأشجار الفاكهة المختلفة، كما أقام فيها القصور الجميلة وزينها بالذهب، وحفر فيها أقنية وفساقي ملأها خمرا ولبنا وعسلا وماء صافيا، وكان يسميها الجنة، وقد حشر فيها الجواري الحسان المغنيات الراقصات، وإن الحسن كان يخدر هؤلاء الشبان بالحشيش، ثم يحملهم إلى الجنة جماعات جماعات تتراوح بين الأربعة والعشرة، فإذا أفاقوا من تحشيشهم اعتقدوا أنهم في الجنة التي وعد الله المتقين، ثم يحملون إلى قصره بعد أن يخدروا ثانية، فإذا أفاقوا آمنوا بقدرته وتفانوا في طاعته، ويقصون ما رأوه على الآخرين، فيتوقون بدورهم إلى دخول الجنة.» ويقول بروكلمان (في تاريخ الشعوب الإسلامية 2-138): «إن ما أورده ماركو بولو هو مجرد خرافة.» ولكن ابن خلكان يورد لنا شيئا شبيها بذلك عن حصن مصياف،
9
وقد نشر الحسن بن الصباح هؤلاء الفدائيين في كافة أرجاء العالم، فخافه الأمراء والكبراء ودفعوا له الضرائب دفعا لشره، وخصوصا بعد موت ملكشاه، وانقسام الأسرة السلجوقية من بعده، وظهور الصليبيين في الشام، وقد قدر عدد الفدائيين في زمن ملكشاه بنحو مائة وستين ألف رجل
10
فإذا كان هذا عددهم في زمن ملكشاه السلطان القوي الذي فتك بهم مرات، وحاول مرات أن يحتل قلعتهم «الموت» فلم يفلح، وكان وزيره نظام الملك أعدى أعدائهم لا يترك فرصة للفتك بهم، وقد ملأ رسالته «سياستنامة» كثيرا من التهجم عليه والتحريض على قتلهم، أقول إذا كان هذا عددهم في ذلك الزمان فما قولك بالأزمنة التالية، حين اقتتل السلاجقة فيما بينهم، حتى استعان بعضهم، وهو بركياروق، على خصومه بالإسماعيلية.
11
وقد ازداد نفوذهم أيام سنجر الذي اضطر إلى مصالحة الحسن بن الصباح، وفي أيامه قتلوا الخليفة المسترشد ثم ابنه الراشد من بعده، فخافهم الخلفاء في قصورهم.
ولما مات الحسن بن الصباح سنة 518ه/1124م، أخذت أحوال الباطنية تختلف قوة وضعفا، ولما فشلوا في الاستيلاء على البلاد الإسلامية، عمدوا إلى السلب والنهب، وإثارة حروب العصابات، ثم اضطروا أثناء الحروب الصليبية في سورية، أن يحاربوا الصليبيين عدة مرات، واستطاعوا في سنة 533ه/1140م أن يستعيدوا احتلال قلعة مصياف - على السفح الشرقي لجبل النصيرية - التي كانت مقرا لنائب زعيمهم راشد الدين سنان سنة 692ه/1192م، وذلك بعد أن استطاعوا استمالة رضوان بن السلطان تتش أمير حلب السلجوقي إلى مذهبهم، كما استطاعوا الاستيلاء على حصن كيف والقدموس والعليقة،
12
وكان راشد الدين الملقب «شيخ الجبل» من أشد خصوم الصليبيين، وله معهم عدة معارك، ولما فتح المغول مصياف (مصياد، مصياث) سنة 658ه/1260م قدم بيبرس فأوقع ضربة قاضية بالحشاشين سنة 670ه/1272م.
وتولى زعامة الإسماعيلية بين سنة 607-618ه/1210-1221م جلال الدين حسن، ورأى أنهم لم يصبحوا قادرين على مهاجمة خصومهم الأقوياء، وهم رجال الدولة الخوارزمية، والأتابكية، والخلفاء العباسيين، فرأى أن خير وسيلة هي أن يطلب إلى جماعة منهم أن يظهروا شعائر الإسلام، وترك ما كانوا عليه، وأرسلهم سفراء عنه إلى الخليفة في بغداد، وإلى علاء الدين بن محمد خوارزمشاه، وإلى الأتابكية، يعلنون رجوعهم إلى الحق والإسلام، فاستقبلت رسله بالاحترام، وخلعت عليهم الخلع، وطلب جلال الدين من بعض فقهاء المسلمين، بعد أن أحرق كتب الإسماعيلية، أن يفقهوا جماعة الإسماعيلية بتعاليم الحنيفية،