تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما تجدر الإشارة إليه أن أصحاب هذه الدعوة قد انقسموا منذ زمن الخليفة المستنصر (487ه/1094م) إلى قسمين؛ قسم يقول إن المستنصر أوصى بالأمر بعده لابنه نزار، وقسم قال بل إنه أوصى بها لابنه المستعلي، واتخذت الفرقة الأولى بلاد المشرق مركزا لها برعاية الحسن بن الصباح، وبقيت الثانية في مصر والمغرب.

4

وتفصيل ذلك أن الحسن بن الصباح قدم إلى مصر لدراسة الدعوة وتتبع أحوالها، وأعطاه المستنصر أموالا وبعثه للدعوة في المشرق، ورأى بعد وفاة المستنصر أن ابنه نزارا أولى من أخيه المستعلي بولاية أبيه لكفايته، ورأى وزير المستنصر، وهو بدر الجمالي، أن المستعلي أفضل، واختلف الرجلان واضطر الحسن أن يستقل بفكرته، ومنذ ذلك الحين انقسمت الفاطمية إلى هذين القسمين. أما معلوماتنا عن الحسن بن الصباح وأحواله فهي أنه كاتب ذكي، نشأ في خدمة ألب أرسلان ولمع اسمه في عهد ملكشاه، وكان شيعيا متحمسا، ولكنه كان يكتم فكرته لتعصب السلاجقة ولسنيتهم، فلما اكتشفوا أمره طردوه من خدمتهم، فأعلن اعتناقه المذهب الإسماعيلي، وبعثه عبد الملك بن عطاش رئيس الدعوة الإسماعيلية في العراق داعية إلى أصفهان فذهب إليها، ثم رأى أن يسافر إلى مصر ليتعمق في دراسة العقيدة الفاطمية على يد فلاسفتها وعلمائها في القاهرة، فخرج من أصفهان سنة 469ه/1076م عن طريق أذربيجان وميافارقين وعكا، ومنها ركب البحر متخفيا في زي تاجر إلى أن بلغ مصر، وما زال قدره يسمو هناك ويتغلغل في شئون الدعوة والدولة إلى أن مات الخليفة المستنصر، وأريد تسمية الخليفة الجديد، فقال الوزير بدر الجمالي: إن المستنصر قد عهد بالأمر إلى ابنه الأصغر وهو المستعلي، وما ذلك إلا لأنه جده لأمه، ولأنه يريد إبقاء نفوذه وسيطرته على الدولة، وخالفه الحسن بن الصباح في ذلك وقال: لا، إن الولاية للابن الأكبر وهو الأمير نزار،

5

وهكذا اضطر الحسن بن الصباح أن ينشق عن المذهب الفاطمي المصري ويؤسس حركته الباطنية الجديدة، وقد قويت حركة الحسن بن الصباح في عهد السلاجقة حتى أضحت خطرا يهدد سلامة البلاد، قال البنداري: «وكان بينهم (أي الإسماعيلية) رجل من أهل الري - هو الحسن بن الصباح - ساح في العالم، وكانت صناعته الكتابة، فخفي أمره حتى ظهر وقام، فأقام من الفتنة كل قيامة واستولى في مدينة قريبة على حصون وقلاع منيعة، وبدأ من القتل والفتك بأمور شنيعة، وخفيت عن الناس أحوالهم، ودامت حتى استتبعت على الاستتار بسبب أنه لم يكن للدولة صاحب أخبار، وكان الرسم في أيام الديلم (البويهيين) ومن قبلهم من الملوك أنهم لم يخلوا جانبا من صاحب بريد، فلم يخف عندهم أخبار الأقاصي والأداني، وحال الطائع والعاصي، حتى ولي أمر الدولة السلجوقية ألب أرسلان محمد بن داود، ففاوضه نظام الملك في هذا الأمر، فأجابه أنه لا حاجة بنا إلى صاحب خبر؛ فإن الدنيا لا تخلو كل بلد فيها من أصدقاء لنا وأعداء ... فلم يشعر إلا بظهور القوم، وقد استحكمت قواعدهم واستوثقت معاقدهم وأخافوا السبل، وأجالوا على الأكابر الأجل.»

6

والحق أن الحسن قد استطاع أن ينشر في برهة وجيزة دعوته في أرجاء المشرق من فارس إلى العراق، كما استطاع أن يستولي على بعض الحصون والقلاع، ويتخذها مقرا لرجاله، وكان استيلاؤه سنة 483ه على قلعة الموت

7

التي كان بناها ملكشاه بداية لقوة حركته، ومركزا استطاع منه أن يستولي على كثير من بلاد خوزستان وقوهستان ... وكان ابن الصباح مغرما ببناء القلاع على رأس الجبال متباعدا عن المدن متحصنا بها لئلا يسهل الوصول إلى جماعته، وقد ألف حوله جماعة من الأشداء المتعصبين فأمرهم بالفتك بمخالفيهم، ومما هو جدير بالذكر أن الحسن نظم الدعوة الفاطمية تنظيما جديدا، فسمى نفسه «داعي الدعاة» أو «رئيس الدعوة»، ثم يأتي من بعده «طبقة ثانية» هي طبقة كبار الدعاة، ويختص كل واحد منهم بإقليم من أقاليم الدعوة الثلاثة وهي «العراق» و«قوهستان» و«الشام»، ثم تليهم طبقة ثالثة هي «طبقة الدعاة» وهم الذين تدربوا في قلعة الموت، وتفرقوا في الأقاليم الثلاثة تحت إشراف «رئيس الدعوة»، وكانوا متفقهين بالمذهب الإسماعيلي عارفين بأسراره، ثم تليهم «طبقة رابعة» وهي «طبقة الرفاق» وهم الذين يطلعون على الأسرار ولا يطلب إليهم نشرها، ثم تليهم طبقة خامسة وهي «طبقة اللاصقين» وهم طبقة لم تتعمق في معرفة أسرار الدعوة وأصولها، ولكنهم ممن يتعهدون تنفيذ كل ما يطلب إليهم، ثم تليهم «طبقة سادسة» هم «طبقة الفدائيين» الذين باعوا أنفسهم من داعي الدعاة، وهم الشبان المتحمسون الذين استعان بهم الحسن على تنفيذ خططه وقتل خصومه، ثم تليهم «طبقة سابعة» وهم «طبقة المستجيبين» أو العوام الذين يدخلون في الدعوة.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٥٥