وفي سنة 330ه اتفق توزون وناصر الدولة بن حمدان أن يقتسما المملكة، فيكون للأول أعمال البصرة وما إليها، وللثاني الموصل وما إليها شمال الشام والعواصم وحمص، وبعث ناصر الدولة أبا بكر محمد بن علي بن مقاتل أميرا على قنسرين وحلب، ثم استبدله بابن عمه أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان، فقدم حلب وطرد أميرها يأنس المؤنس المولى عليها من قبل الإخشيد أبي بكر محمد بن طغج، وحين علم الإخشيد بذلك، قدم على حلب بجيش لجب، فهرب الحسين الحمداني إلى الرقة، ولما وصلها كان فيها الخليفة المتقي، فلم يأذن له بدخولها، واستدعى الخليفة الإخشيد، فجاءه وأكرمه، وثبت ملكه على الشام ومصر، ورجع الإخشيد إلى مصر بعدما ولى حلب أبا الفتح عثمان بن سعيد الكلابي، فحسده إخوته الكلابيون واستدعوا سيف الدولة فقدمها بموافقة أخيه ناصر الدولة واستولى عليها سنة 333ه وهو الاستيلاء الأول، واستمر أمر الدولة الحمدانية يقوى حتى سيطرت على الموصل وحلب ودمشق.
وبقي ناصر الدولة في إمارته على الموصل والجزيرة والشام، على أن يؤدي عنها الأموال للبويهيين ويخطب لهم، وعلى الرغم من أنه أراد أن يقطع صلته بالبويهيين مرات؛ فإنهم استطاعوا أن يفسدوا عليه خططه باتفاقهم مع ابنه أبي تغلب فضل الله الذي حجر على أبيه وسجنه واستولى هو على الموصل وأطرافها سنة 356ه، وجرت له مع عضد الدولة البويهي حوادث انتهت بزحف عضد الدولة على الموصل، فغزا أبو تغلب ونزل بظاهر دمشق وانتقل منها إلى الرملة وقتل بظاهرها سنة 369ه.
أما سيف الدولة فإنه ما لبث أن استقر بحلب منذ سنة 333ه حتى وافاه الإخشيد وخادمه كافور، فالتقى بهما عند الرستن، وفرق جمعهما، ثم سار إلى دمشق، فلم يوفق إلى فتحها، ورجع إلى حلب، فلحق به الإخشيد واسترد حلب، فهرب سيف الدولة إلى الرقة. وفي سنة 334ه عاد فاستولى عليها، وتم الاتفاق بينه وبين الإخشيد على أن تكون حلب وحمص وأنطاكية لسيف الدولة، ودمشق للإخشيد، ولكن سيف الدولة لم يلبث أن استولى على دمشق، ثم اضطر إلى مغادرتها بعد أن قدم عليه كافور الإخشيدي، فاكتفى سيف الدولة بسورية الشمالية، واتخذها له مقرا وملكا، وكان سيف الدولة لا يفتأ يغزو الروم ويفتك ببلادهم وجيشهم، وكانت غزواته لبلاد الروم على الشكل الآتي:
في سنة 333ه غزا سيف الدولة بلدة الصفصاف وعرسوس فغنم وعاد.
وفي سنة 335ه كان الفداء بين المسلمين والروم على يد عامل سيف الدولة في الثغور، وكان عدد الأسرى 2480 أسيرا، وفضل للروم على المسلمين 230 فوفاهم سيف الدولة من ماله.
وفي سنة 337ه غزا الروم فانكسر وأخذ الروم مرعش وأوقعوا بأهل طرسوس، ثم غزاهم سيف الدولة فملك حصن برزية، وفي ذلك يقول المتنبي قصيدته:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه
وفي سنة 339ه غزاهم وأوغل وفتح حصونا كثيرة وغنم وسبى، ثم ضيقوا على جيشه، فلم ينج إلا هو وقليل، وفي سنة 431 غزا الروم سروج فخربوا مساجدها وانصرفوا، فتبعهم سيف الدولة وفتك وعمر ما خربوا وأعاد بناء مرعش، وفي ذلك يقول المتنبي قصيدته:
فديناك من ربع وإن زدتنا كربا
وفي سنة 342ه خرج سيف الدولة إلى ديار مصر وأوقع بالدمستق وأسر ابنه قسطنطين، وفي ذلك يقول المتنبي قصيدته:
ليالي بعد الظاعنين شكول
وفي سنة 343ه سار إلى الحدث وأوقع بالدمستق الذي جاءه بجموع الروم والأرمن والروس والبلغر والصقلب والخزرية، فهزمهم وأسر صهر الدمستق نوذس البطريق، وأقام في الحدث حتى بناها ووضع بيده آخر شرافة، فقال أبو الطيب قصيدته:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وقد غلط ابن الأثير فذكر أسر ابن الدمستق في هذه الوقعة، كما غلط بعض المؤرخين في هاتين الوقعتين (هذه الوقعة والتي قبلها) فتوهموا أنها وقعة واحدة مع أنهما اثنتان.