تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

أن عدد كتبها نحو عشرة آلاف مخطوطة نفيسة، وإلى هذه الدار تردد أبو العلاء المعري أيام زيارته بغداد وذكرها في شعره.

ولما مات خلفه ابنه سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة، ولم يكن عهده خيرا من عهد أبيه، وكان جنوده لا يطيعونه، فأفسدوا البلاد، وثار عليه أخوه شرف الدولة أبو علي بن بهاء الدولة، فانتزع منه الملك في المحرم سنة 412ه ونفاه عن العراق، ثم تصالح الأخوان على أن يكون لشرف الدولة العراق، ولسلطان الدولة فارس وكرمان، إلى أن مات سلطان الدولة سنة 415 بشيراز فخلفه ابنه أبو كاليجار بن سلطان الدولة. وفي سنة 416ه مات شرف الدولة فخلت سدة السلطنة من وجود سلطان، وسيطر الأجناد، وخطبوا أول الأمر لجلال الدولة أبي طاهر بن بهاء الدولة، صاحب البصرة ثم قطعوا خطبته، وخطبوا لابن أخيه أبي كاليجار صاحب الأهواز وطلبوه إلى بغداد فوعدهم أن يجيء، ولكنه تأخر لما كان بينه وبين عمه أبي الفوارس صاحب كرمان من الحروب، فازدادت الفتن ببغداد لعدم وجود سلطان فيها، وكثر شر الجند الأتراك فكتب عقلاء البلاد إلى جلال الدولة بن بهاء الدولة يستدعونه إلى بغداد وخطبوا له في سنة 418ه، ولكنه لم يستطع ضبط الأمر طويلا، وكثر شغب الجند عليه. وفي سنة 426ه فسد أمر الخلافة والسلطة البويهية معا في بغداد، وسيطر الأجناد والأكراد على البلاد، إلى سنة 435ه حين مات جلال الدولة بعد أن ملك 17 سنة إلا شهرا، ولما مات خلفه ابن أخيه أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة ولقبه الخليفة بمحيي الدولة، ولم يكن عهده حسنا، ولما مات سنة 440، خلفه ابنه أبو نصر فيروز الملقب بالملك الرحيم، وأقام ملكا إلى سنة 447ه حين قدم السلطان طغرل بك السلجوقي مستوليا على بغداد.

وهكذا انقرضت الدولة البويهية، التي حكمت قرابة قرن وسيطرت على العراق وفارس واتخذت شيراز عاصمة لها، وبغداد مقرا لأمرائها، فقد كان لهم فيها قصور تسمى دار المملكة.

11

وبلغ أوج هذه الدولة في عهد عضد الدولة الذي سيطر على أرجاء الإمبراطورية الإسلامية، واستطاع أن يتزوج ابنة الخليفة الطائع، ويزوجه ابنته مؤملا أن تصل الخلافة إليه، وهو أول من لقب بشاهنشاه، أي ملك الملوك. وفي عهد هذه الدولة ازدهرت المعرفة والحكمة، كما نبغ إخوان الصفا في عهده. (2) الحمدانيون (293-402ه)

ينتسب الحمدانيون إلى حمدان بن حمدون بن الحارث التغلبي الوائلي العدوي، حوالي «؟-300» ومؤسس هذه الدولة، وهو أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان، وكان من القادة المقدمين في الدولة العباسية، ولاه المكتفي بالله إمرة الموصل وأعمالها سنة 293 فأقام فيها وتوسط سلطانه هو وإخوته على هاتيك الديار.

وفي سنة 303 أمر المقتدر بالقبض على أبي الهيجاء وإخوته وحبسهم

12

ثم عفا عنهم. وأقام أبو الهيجاء في بغداد، وولى ابنه ناصر الدولة الحسن أميرا على الموصل، وكانت له عدة وقعات مع الأكراد الجلالية الذين اشتدت شوكتهم فأخضعهم وانقادوا لدولته سنة 314ه.

وفي سنة 318ه عزل ناصر الدولة عن الموصل، ووليها عماه سعيد ونصر ابنا حمدان، وولي ناصر الدولة ديار ربيعة ونصيبين وسنجار والخابور ورأس عين، وميافارقين، وارزن.

13

وفي سنة 322ه أعيد ناصر الدولة إلى الموصل فعظم سلطانه. وفي سنة 323ه عزل الخليفة الراضي ناصر الدولة عن الموصل، وولاها أبا العلاء بن حمدان، فلما ذهب إليها مظهرا أنه إنما جاء ليطلب مال الخليفة، وكان ناصر الدولة يعلم بأمره، فبعث إليه من قتله، ولما بلغ ذلك الخليفة بعث وزيره ابن مقلة في جيش كبير فهرب ناصر الدولة، وأقام الوزير بالموصل مدة ثم لما قفل عنها رجع ناصر الدولة وكتب إلى الخليفة الراضي يعتذر منه فعفا عنه.

ولما مات الخليفة الراضي، وتولى المتقي، ووقعت الفتنة بين أبي عبد الله البريدي وابن رائق كما ذكرنا، واضطر الخليفة على السفر إلى الموصل، بعد استيلاء البريدي على بغداد، كان المتقي قد أنفذ إلى ناصر الدولة يستمده على البريديين، فأرسل أخاه سيف الدولة نجدة له في جيش كثيف، فلقي الخليفة المتقي وابن رائق بتكريت قد انهزما من بغداد، وخدم سيف الدولة الخليفة خدمة عظيمة، وسار في ركابه إلى الموصل، ثم إن الخليفة المتقي خلع على ناصر الدولة وجعله أمير الأمراء في شعبان سنة 330ه وبعث أخاه سيف الدولة في ملاحقة البريديين الذين تسلطوا على واسط، فأخرجهم منها، وكان يريد الانحدار إلى البصرة لأخذها من البريديين، ولكنه لم يتمكن من ذلك لقلة المال عنده، فكتب إلى الخليفة يستمده، ولما تأخر المال أخذ سيف الدولة يستميل القادة الأتراك أن يسيروا معه للاستيلاء على الشام ومصر، فلم يتفقوا معه على ذلك، واضطر إلى الرجوع إلى بغداد، ثم انحدر إلى الموصل.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٣٤