تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 344ه ورد عليه رسول الروم مع فرسان طرطوس وأذنة والمصيصة في طلب الهدنة والفداء، فقال أبو الطيب قصيدته:

أراع كذا كل الأنام همام

وفي سنة 345ه سار سيف الدولة ومعه المتنبي لغزو الروم إلى تل بطريق فأحرقه، وفتك بالروم ووصل آمد وأنشده فيها المتنبي قصيدته:

الرأي قبل شجاعة الشجعان

وفي سنة 349ه بلغ خرشنة ولكن الروم ردوه، واستردوا جميع ما أخذه وفرقوا جنده، واستطاع هو أن يهرب منهم، وفيها يقول المتنبي قصيدته:

غيري بأكثر هذا الناس ينخدع

وفي سنة 351ه غزا دمستق الروم الديار، واستولى على عين زربة، ففتك بأهلها ثم دخل حلب، وانهزم سيف الدولة، فأخذ الدمستق كنوز سيف الدولة وأحرقوا الجامع ومكتبته، وفي هذه المعركة أسر أبو فراس الحمداني في معركة منبج، وكان متقلدا لها، ثم رجع الدمستق إلى بلاده فعاد سيف الدولة إلى حلب.

وفي سنة 354ه هاجم نقفور الرومي المصيصة وفتحها، وأسر من أهلها عددا عظيما.

وفي سنة 355ه تم الفداء بين الروم وسيف الدولة، فسار سيف الدولة بالبطارقة الذين هم في أسره إلى الفداء، ففدى أبا فراس وجماعة من أكابر الحلبيين.

وفي سنة 356ه مات سيف الدولة بحلب ونقل إلى ميافارقين، فخلفه ابنه سعد الدولة أبو المعالي شريف، ولم يقم بعمل إلى أن مات سنة 381ه/991م، فتولى بعده ابنه أبو الفضائل سعيد الدولة، وكان سعيد صغيرا فتولى الأمر مولاه لؤلؤ، فطمع الخليفة العزيز الفاطمي، بتملك حلب، فجهز جيشا بقيادة منجوتكين، فاستنجد لؤلؤ بملك الروم فأنجده بجيش كبير ولكنه انخذل أمام الجيش المصري، وصالح لؤلؤ منجوتكين فقبل، ولكن الخليفة الفاطمي لم يرض بالصلح، وأمر منجوتكين أن يعود إلى حلب فاستنجد لؤلؤ بالروم ثانية فقدموا بجيش عظيم، وهزموا الجيش المصري، وجاء ملك الروم إلى حلب، فاستقبله أبو الفضائل بالإكرام.

وفي سنة 339ه مات لؤلؤ فخلفه ابنه مرتضى الدولة ابن لؤلؤ، وكان ظالما عسوفا أفسد البلاد، فتمنى أهلها زواله.

وفي سنة 402ه أغار صالح بن مرداس في 500 فارس على حلب واستولى عليها وقضى على دولة الحمدانيين، وطرد ابن لؤلؤ القائم بأمر ولدي سعيد الدولة، وهما أبو الحسن علي وأبو المعالي شريف، وبذلك انتهت دولتهم وسيطرت الدولة المرداسية. (2-1) العلم والأدب في عهد البويهيين والحمدانيين

كان القرن الذي نبغت فيه دولة الحمدانيين من أزهر عصور الإسلام، إن لم يكن أزهرها في العلم والأدب؛ ففي هذا العصر، وجدت دور التعليم في المشرق: العراق والشام ومصر والمغرب ، وفيه أسست دور الحكمة؛ فقد ذكر ياقوت الحموي أن أبا القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الفقيه الشافعي (323) أسس دارا للعلم في بلده، وجعل فيها خزانة كتب من جميع العلوم، وقفا على كل طالب علم، لا يمنع أحدا من دخولها، وإذا جاءها غريب يطلب الأدب وكان معسرا أعطاه ورقا وورقا، وكان ابن حمدان يجلس فيها ويجتمع إليه الناس، فيملي عليهم من شعره وشعر غيره، ثم يملي حكايات مستطابة، وطرفا من الفقه وما يتعلق به. ويذكر ابن النديم (في الفهرست، ص139)، أن أبا علي بن سواد الكاتب ومن رجال عضد الدولة أنشأ داري كتب؛ «إحداهما» بالقصر و«الأخرى» برامهرمز، وجعل فيهما إجراء (راتبا) على كل من قصدهما، ولزم القراءة والنسخ، وكان في الثانية أستاذ يدرس الكلام على مذهب المعتزلة. وفي سنة 383ه أسس الوزير أبو نصر سابور بن أردشير، وزير بني بويه، «دار العلم» في الكرخ ببغداد، ونقل إليها آلاف الكتب والمجلدات ومعظمها بخط أصحابها، وجعل النظر فيها لاثنين من العلويين، وقد احترقت هذه الدار عام 450ه/1058م.

14

وفي حلب جعل سيف الدولة من جامعها ومن قصره داري علم يجتمع فيهما أئمة الأدب والدين في عصره، ويجري عليهم أمواله ويرفع شأنهم. يذكر أبو الفداء (في تاريخه 2: 458) أن سيف الدولة أجرى على أبي نصر الفارابي الفيلسوف المشهور (339ه) أربعة دراهم كل يوم، كما كان سيف الدولة يحضر مجالس العلماء ويتنافس وإياهم، وربما تطور النقاش العلمي إلى وثب وضرب؛ فقد روى ابن خلكان (في الوفيات 1: 65)، أن ابن خالويه النحوي كان خشنا، فوقع بينه وبين المتنبي كلام في مجلس سيف الدولة، فوثب ابن خالويه على أبي الطيب وضرب وجهه بمفتاح كان معه، فخرج من المجلس ودمه يسيل على وجهه. وقد ضمت حلقات سيف الدولة في قصره ومسجد حلب أئمة فحولا في كل فنون العلم، نذكر منهم سيد شعراء العربية أبا الطيب المتنبي الذي جل عن أن يعرف لقدره وفضله وأدبه وعلمه وشعره، ومنهم أبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني، الكتاب الأدبي الأشهر، ومنهم ابن نباتة الخطيب اللسن. ومن الأئمة الذين كانوا يحضرون مجلس سيف الدولة، أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (؟-392ه) مخترع مباحث الاشتقاق الأكبر، ومؤلف سر الصناعة والخصائص.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٣٦