هذا مع علم غزير وأدب وفير وحكمة وفضل. ولعضد الدولة محاسن وأعمال جليلة، منها: أنه بنى على مدينة الرسول
صلى الله عليه وسلم
سورا قويا لحمايتها من الغارات والأعداء، ومنها أنه أظهر منبر الإمام علي (عليه السلام) بالكوفة وبنى على المشهد، وهو الذي صنف له أبو علي الفارسي كتابي «الإيضاح» و«التكملة» في النحو، وفي عهده تحسنت أحوال البلاد الزراعية من تنظيم للري، وعدل في الجباية، وهو الذي أمر ببناء القناطر، وبحفر كثير من الأنهر والأقنية المندرسة، وإعادة بنائها وإصلاحها.
5
وهو الذي أخر ابتداء أخذ الخراج إلى وقت النيروز المعتضدي الذي تنضج فيه الغلال، وكان الخراج يؤخذ سلفا قبل إدراك الغلال، وشجع الزراع على عرض مظالمهم من الإقطاعيين والعسكريين.
6
وهو الذي شرع في سنة 369ه بعمارة بغداد وكانت قد خربت بتوالي الفتن فيها، فعمر مساجدها وأسواقها وأدر الأموال على الأئمة والمؤذنين والعلماء والقراء والغرباء والضعفاء الذين يأوون إلى المساجد، وألزم أصحاب الأملاك الخربة بعمارتها وجدد ما دثر منها، وأطلق مكوس الحجاج، وأصلح الطريق من العراق إلى مكة، وأطلق الصلات لأهل البيوتات والشرف والضعفاء المجاورين بمكة والمدينة، وفعل مثل ذلك بمشهد «علي» و«الحسين» (عليهما السلام)، وأجرى الجرايات على الفقهاء والمتكلمين والمفسرين والنحاة والشعراء والنسابين والأطباء والحساب والمهندسين، وأذن لوزيره نصر بن هارون النصراني في عمارة البيع والأديرة وإطلاق الأموال على فقرائهم.
7
وهو الذي بنى البيمارستان العضدي ببغداد في سنة 367ه/978م ووقف عليه مبلغ مائة ألف دينار، وكان يشرف على الطبابة فيه 24 طبيبا وكحالا، يعلمون الطب ويداوون الناس ويدرسون الفلسفة.
8
كما كانت له مساوئ، منها: أنه أحدث في أواخر أيامه رسوما ظالمة، منها رسوم بيع الدواب والأمتعة، وأنه منع من عمل الثلج والقز وجعل ذلك تجارة خاصة به، ومات عضد الدولة في شوال سنة 372ه ببغداد، وحمل إلى مشهد الإمام علي فدفن عنده. (1-5) صمصام الدولة وعقبه إلى انقراض الدولة
صمصام الدولة هو أبو كاليجار المرزبان ابن عضد الدولة، تولى الأمر بعد أبيه بإجماع القواد، وكان إخوته وبنو أعمامه متفرقين في الولايات، وهو في العراق، ولكنه لم يكن حازما مثل أبيه، فوقعت الفتنة بينه وبين إخوته وأبناء عمومته، فانتهز الأكراد، بقيادة شجاع دوستك، هذه الفرصة فاستولوا على الموصل، وحاولوا الاستيلاء على بغداد ولكنهم فشلوا، وتم الصلح بينهم وبين البويهيين، واستمر أمر صمصام الدولة في اضطراب حتى استطاع أخوه شرف الدولة أن يدخل بغداد ويقضي عليه في رمضان سنة 376ه.
استولى شرف الدولة على بغداد سنة 376ه فلم يطل عهده فيها؛ لأن جنوده من ترك وديلم، كانوا لا ينفكون متحاربين إلى أن مات في سنة 379.
ويجب ألا ننسى أن عهد شرف الدولة على الرغم من اضطرابه السياسي كان عهد علم؛ فقد رعى شرف الدولة ما كان ابتدأ به أبوه من تعضيد العلم وحب أهله والإحسان إليهم،
9
وقد اقتدى شرف الدولة بالمأمون في مساعدة العلماء على الترجمة والتأليف وإنشاء المرصد الكبير.
ولما مات سنة 379 خلفه أخوه بهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة، ولم يكن عهده من الناحية السياسية خيرا من عهد أخيه؛ فإن الأتراك والديلم عادوا من جديد إلى التصادم، ثم نشبت فتن كثيرة بينه وبين أهل بيته، وفي سنة 381ه قبض بهاء الدولة أبو نصر فيروز بن عضد الدولة، على الخليفة الطائع طمعا في أمواله وخلعه، وولى القادر الخلافة، وكان عهده عهدا مضطربا كثرت فيه الحروب بينه وبين أهل بيته إلى أن مات سنة 403ه، وكان سلطانه على العراق والأهواز وفارس وكرمان.
وفي عهد بهاء الدولة استمرت الحركة العلمية التي أسس نواتها أبوه، ورعاها أخوه، وقد كان وزيره سابور بن أردشير العالم الفاضل يرعى العلم وأهله، وهو الذي بنى «دار الحكمة» في بغداد وجعل فيها خزانة كتب ضخمة، يذكر ابن الأثير،