تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هو من أهل الخزر اشتراه المعتصم سنة 199ه وعظمت مكانته عنده حتى جعله جلاده، وأولاه إحدى الفرق التي حاربت في بلاد الروم مع الإفشين، وسمت مكانته في عهد الواثق حتى تولى الجيش والبريد والحجابة ودار الخلافة، وأخذ خطره يظهر في عهد المتوكل فقتله سنة 235ه. (3) أشناس

تركي، اشتراه المعتصم وقربه لشجاعته وولاه في غزوة عمورية لقيادة إحدى الفرق، فبرزت مواهبه العسكرية، ثم سماه أميرا على سامراء حين غادرها، وفي سنة 255ه، رفع قدره، وزاده سلطانا حتى أجلسه في حضرته على كرسي، كما يجلس أمراء آل العباس، وتوجه ووشحه، وأشرف على زواج ابنته «أترنجة» للحسن بن الإفشين، ودعا إلى عرسه أهل سامراء، وكان الخليفة يباشر بنفسه تفقد الحاضرين إلى العرس، وفي عهد الواثق زادت مكانته سموا حتى أنه توجه سنة 228 ووشحه وشاحي جوهر وضلع عليه لقب سلطان إلى أن مات سنة 230ه. (4) وصيف

هو غلام تركي اشتراه المعتصم وعظمت مكانته جدا، في أيامه، فلما مات أشناس خلفه وصيف، وقد كان بمقدور هذا الغلام أن يولي من يشاء الخلافة ويعزله، ولعب دورا هاما في استخلاف جماعته من العباسيين، ولما عظم خطره أراد المتوكل تقليم أظافره ومصادرة أمواله، فتآمر وصيف مع ابن المنتصر وقتله، وكانت له في فتنة المستعين والمعتز يد طولى أيضا. (5) بغا

هو من علماء المعتصم كان له ضلع كبير في مؤامرة قتل المتوكل.

هؤلاء نفر من أولئك الأتراك الذين سيطروا على البلاد ومواردها وأصبحوا كل شيء في الدولة، بينما ظل الخلفاء أشباحا لا رأي لهم، ولا يسمع لهم رأي إن أبدوه.

الفصل السابع

| الوضع العلمي والثقافي في تلك الفترة من عهد الانحلال

نشأت الحركة العقلية والعلمية القوية في العصر العباسي الأول، ونبغ في الإسلام طبقة من العلماء الأعلام، وضعوا أسس العلم الإسلامي، وصنفوا فيه التصانيف الرئيسية في كل فن من فنون العلم المعروفة وقتئذ من دين وأدب ولغة وعربية وفلسفية وحكمة وتاريخ، وكان من أعلام تلك الحركة وقادتها جماعة نذكر في مقدمتهم: الخليل بن أحمد الفراهيدي والكسائي وسيبويه وأبا حنيفة النعمان ومالكا والأوزاعي، والحسن البصري، وأبا محنف لوط بن يحيى، وسيف بن عمر، ومحمد بن إسحاق، والحجاج بن مطر، وثابت بن قرة، وحنين، وأبا نواس، ومسلم بن الوليد، وبشارا وإبراهيم الموصلي وغيرهم، ممن تشهد آثارهم بفضلهم ومقدار جهدهم في وضع أسس البناء العقلي والعلمي والأدبي الإسلامي، ولؤلؤة هذه الفترة عصر المأمون، كما فصلناه في تاريخ «عصر الازدهار».

أما في الفترة الانحلالية التي نؤرخها فقد ظل النشاط العلمي والأدبي استمراريا مزدهرا، ولم يتأثر قط بالانحلال السياسي، وعلى الرغم من انفصال بعض أجزاء الإمبراطورية واستقلالها عن البلد الأم، كانفصال شمال الشام والموصل في عهد بني حمدان؛ فإن الحركة العلمية كانت قوية بل اعتبرت تلك الفترة من تاريخ الشام أزهر عصر علمي ثقافي رفيع، وصلت إليه، فكان بلاط أمير الحمدانيين سيف الدولة مألفا لأكابر علماء المسلمين وأدبائهم وشعرائهم وفلاسفتهم على ما فصلناه، وكذلك نقول في مصر أيام الطولونيين، وفي المشرق أيام السامانيين، وقد نبغ في العالم الإسلامي في تلك الحقبة من عصر الانحلال العباسي السياسي طبقة من المؤلفين في كافة فروع العلم لا تقل مكانة آثارها عن مكانة الطبقة التي وجدت في العصر العباسي الأول (عصر الازدهار) من حيث الثقة العلمية، وجودة التأليف، بل ربما فاقتها من حيث الإتقان التأليفي، وحسن جمع المعلومات وتبويبها، تبعا لنصوص التطور الزمني.

ففي علوم الحديث: نبغ الأئمة الستة: البخاري (256ه/892م)، ومسلم (261ه/875م)، وأبو داود (275ه/888م)، والترمذي (279ه/892م)، والنسائي (303ه/915م)، وابن ماجه (273ه/886م)، وغيرهم من الأئمة الذين وطدوا أركان الحديث النبوي وعلومه، وما تزال كتبهم إلى يومنا هذا هي المراجع الصحيحة الموثوقة الحافظة للإسلام ودينه وآدابه.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٢٣