تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وزر له عبيد الله بن سليمان، ولما مات عزم المعتضد على أن يستصفي أمواله، ويقتل أولاده، فجاء ابنه القاسم واستعان بالقائد بدر المعتضدي، وكتب على نفسه صكا بمليوني دينار، فاستوزره المعتضد، وكان القاسم من الدهاة الأفاضل الأذكياء الفضلاء، ولكنه كان جبارا سفاحا وهو الذي سم ابن الرومي، ومات المعتضد وهو وزيره. (8) عهد المكتفي بالله

لما مات المعتضد كان المكتفي بالرقة، فقام الوزير القاسم بأخذ البيعة للمكتفي بالله وكتب إليه كتابا أرسله مع البردة والقضيب، فحضر المكتفي وأقره على الوزارة ولقبه ألقابا فخمة، وظل في الوزارة على عهد المكتفي إلى أن حضرته الوفاة، فأوصى الخليفة باستيزار العباس بن الحسن، فاستوزره، وكان أديبا داهيا ولكنه كان ضعيفا في الحساب، منصرفا إلى اللهو والملذات، وكان يقول لنوابه في الأعمال: أنا أوقع إليكم، وأنتم افعلوا ما فيه المصلحة. وقد اضطربت الأمور في عهده، وساءت أحوال البلاد حتى قتل الخليفة. (9) عهد المقتدر

أقر المقتدر بالله العباس بن الحسن على الوزارة، ولكن الأجناد كانوا غير راضين عنه، فقتلوه، وساءت إدارة الدولة في هذا العهد جدا، من جراء السياسة الخرقاء التي اتبعها الخليفة في تعيين وزراء وعزلهم، فقد ولي الوزارة في عهده نحو اثني عشر وزيرا، وعزل بعضهم مرارا وأعيد.

وبعد، فنحن نرى من هذه النظرة الخاطفة إلى الوزارة أن الصفة الغالبة على أكثر هؤلاء الوزراء هي العسف والظلم والجهل وسياسة الدولة بالمكر والحيل، وأن من كان فيهم قويا نبيلا مخلصا في عمله، محبا لخليفته، مدبرا لدولته، حريصا على مصالح الأمة، قتلوه أو عزلوه، ومن كان منهم ضعيفا أو سخيفا أو ظالما متهتكا تركوه وساموا الرعية به.

وهكذا ساءت إدارة الدولة وفشت الرشوة والفوضى فيها، وعمت أسباب الانحلال، ولا أدل على ذلك من كلمة العباس بن الحسن لنوابه ورؤساء أعماله: «أنا أوقع وأنتم اعملوا ما فيه المصلحة.» وليست تلك المصلحة طبعا مصلحة الشعب ولا مصلحة الدولة، ولكنها مصلحة الوزير ومصلحة نوابه ومصلحة جيوبهم.

الفصل السادس

| وضع الجيش ومشاهير القادة في هذا العصر

كان المعتصم شجاعا محبا للجندية والأجناد، فأراد تقوية الجيش الذي أخذ يضعف بعد فتنة الأمين والمأمون، ورأى أن الأجناد من الأبناء الخراسانيين قد فسدوا وترفوا ولم يعد يثق بهم، وأن أفضل من يحل محلهم هم الأتراك الذين يسكنون المناطق الواقعة بين بلاد التبت والصين شرقا، وسيبريا شمالا، وبلاد الشعوب الفنلاندية الأوغرية غربا، وهم من الرجال الممتازين بحبهم للحرب والشجاعة، فعمد إلى تكوين جيش كبير منهم استعان به على القضاء على نفوذ الأبناء الخراسانيين، واستغنى به عن الجنود العرب إلا نفرا قليلا أبقاه خارج العراق في مصر واليمن، وانتخب كثيرا من الفراغنة والأشروسينية، فكثر بهم جيشه حتى أخذ يضايق أهل العاصمة، فعزم على اختطاط «سامراء» لتكون مقرا لهؤلاء الأتراك، والفراغنة والأشروسينية وهكذا كان، فكان المعتصم يسخو على هؤلاء الأجناد في العطاء والكساء، فيلبسهم الحرير والمناطق المذهبة ويرفع من أقدارهم، ثم تتابع الخلفاء من بعده، يتتبعون خطته، حتى قوي سلطان هؤلاء الأجناد، وكان منهم ما عرفنا ومن أشهرهم ذكرا: (1) الإفشين

حيدر بن كاوس، وهو تركي من أسرة أشروسنية عريقة تولى مصر والشام نيابة عن المعتصم وهو أمير، فلما استخلف عظمت مكانة الإفشين، وكان لنجاحه في القضاء على ثورة بابك الخرمي أثر محمود، كان سبب شهرته وإعطائه مكافأة عظيمة، وكان له ذكر في حملات المعتصم على عمورية حتى ملأ الغرور نفسه، وطمع بالملك والاستقلال في أشروسنة، ولما تحقق المعتصم ذلك منه حبسه، ثم صلبه وأحرقه، وقيل بل إنه مات صبرا. (2) إيتاخ

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٢٢