وفي الفقه والتشريع: نبغ أحمد بن حنبل (241ه/855م)، وداود الظاهري (815م)، وطبقة جليلة من تلاميذ أبي حنيفة النعمان، ومحمد بن إدريس الشافعي ومالك بن أنس والأوزاعي، فرعوا الفروع التي جاء بها شيوخهم، وصنفوا في ذلك تصانيف ما تزال إلى أيامنا هذه، المرجع الأسمى لمباحث التشريع والفقه الإسلامي.
أما في علوم الطب والحكمة والفلسفة، فقد ظهرت في هذه الفترة ثمرات الغرسة الطيبة التي بذرها المأمون، وخطا العرب في هذه الفترة خطوات في علوم النبات والحيوان والفيزياء، والكيمياء، والعقاقير، والأقرباذين، والعناية بأحوال الأطباء، والكحالين، والصحة العامة عناية مدهشة، على الرغم من ذلك الانحطاط السياسي، وهو أمر لم تبلغه أمة من الأمم السابقة فيما نعلم، يقول الأستاذ فيليب حتي، في كتابه: «تاريخ العرب المطول»، ص446 نقلا عن ابن أبي أصيبعة: «أوعز علي بن عيسى وزير المقتدر إلى سنان بن ثابت بن قرة الطبيب العالم، بأن ينفذ جماعة من الأطباء يطوفون البلاد ومعهم خزانة للأدوية والأشربة ويعالجون من يرونهم من المرضى، وأن ينفذ آخرين لزيارة المرضى في السجون، وتظهر لنا هذه المعلومات اهتمام أولياء الأمر بالصحة العامة، وهو أمر لم يكن معروفا في سائر العالم آنذاك.»
ولا بد لنا أن نذكر بعض من قاموا بتلك الحركة، فمن أئمة النهضة العلمية والحكمة في هذه الفترة: علي بن ربن (ربان) الطبري، صاحب كتاب «فردوس الحكمة»،
1
ومحمد بن زكريا الرازي (320ه/925م) الذي ألف للساماني منصور الكتاب المنصوري، ويعقوب بن إسحاق الكندي الكوفي فيلسوف العرب،
2
والفارابي محمد بن محمد بن طرخان (340ه/950م)، وأبو عبد الله محمد بن جابر البتاني الحراني (949م) وكان أعظم فلكيي العصر، ومحمد بن موسى الخوارزمي (237ه/850م) إمام رياضيي العرب وصاحب الآثار الجليلة.
وأما الجغرافيا ودراسة الشعوب وعلوم الطبوغرافية وما إليها فقد اهتم الخلفاء والأمراء بها، وحرضوا العلماء على إتقان هذا الصنف من العلم المفيد في تخطيط البلاد ودراساتها وطبوغرافيتها، ومن النابغين في هذه الفترة من أهل هذا العلم: ابن خرداذبة (232ه/846م) صاحب كتاب «المسالك والممالك»، وكتابه من خير ما ذخرت به الخزانة العربية إلى اليوم، وقد استعان كثيرا بأبحاث بطليموس، وفي الكتاب معلومات طبوغرافية وتاريخية مهمة جدا، ومما يدلنا على عناية الخلفاء بتقويم البلدان، أن الخليفة الواثق أرسل بين سنة 227 و232ه (سنة 841-846م) بعثة إلى بلاد يأجوج ومأجوج (الصين) لدراسة أحوالها.
وفي سنة 309ه سار الرحالة الجغرافي أحمد بن فضلان
3
إلى بلاد البلغار ودرس أحوالهم، وكتب عنهم بيانا مفصلا، تلبية لرغبة الخليفة المذكور، وقد حفظ لنا ياقوت في «معجم البلدان» هذا البيان الذي يعتبر أقدم بيان جغرافي موثوق عن البلاد الروسية. ومن نابغي الجغرافيين أبو زيد البلخي (322ه/924م) الذي كان من علماء البلاط الساماني.
وأما في السيرة والتاريخ، وعلم الرجال والأنساب فقد نبغ أئمة من كبار العلماء الموثوق بهم أمثال ابن هشام (218ه/823م) صاحب مختصر سيرة النبي
صلى الله عليه وسلم
لمحمد بن إسحاق (151ه)، والواقدي (207ه/823م) وتلميذه ابن سعد كاتب الواقدي (230ه/845م) وتلميذه البلاذري (279ه/892م) صاحب فتوح البلدان وأنساب الأشراف، ومحمد بن جرير الطبري (310ه/923م)، والمدائني (225-839)، وقد ذكر له ابن النديم في الفهرست مائتين وأربعين كتابا ضاعت، ولم يبق سوى ما اقتبس منها، وهشام بن الكلبي (204ه/819م) وله مائة وأربعون كتابا ضاعت ولم يبق منها سوى كتابي «الأصنام» و«المثالب».
وأما ما في الأدب فقد تقدم فنا الكتابة والشعر، ولمع اسم كتاب كبار على رأسهم الجاحظ (255ه)، وابن قتيبة (276ه)، وابن دريد (321ه)، ومما تجب ملاحظته، ظهور بحوث أدبية سياسية كالبحوث التي قامت حول فكرة الشعوبية التي كان من مناهضيها الجاحظ، وابن دريد، وابن قتيبة، ومن مؤيديها حمزة الأصفهاني (350ه)، والبيروني (430ه)، وقد خلف كل من هؤلاء بحوثا ومقالات ورسائل أدبية رائعة في تأييد وجهة نظره.