قلت: وتتجلى هذه الآراء لمن قرأ رسائل إخوان الصفا.
وأهم ما يجب أن يلحظه دارس الحركة الإسماعيلية هو حسن تنظيمها من جهة، ثم ترتيب الدعاية لها من جهة ثانية؛ فقد كان «الداعي» يتظاهر بإحدى المهن من تجارة أو طب، أو كحالة أو نجارة، فإذا ما أحس ممن يدعون سكونا إليه وانصياعا، أظهر له زهده في الدنيا وتقواه، فإذا اطمأن إليه أكثر أمامه من حب الخير والإحسان إلى الفقراء، فإذا ازداد الاطمئنان إليه أخذ يحدثه عن آل الرسول والمظالم التي حاقت بهم، ولا ينسى بهذه المناسبة أن يستغل عواطفه وعقائده فيخاطبه بما يلائم ذلك
20
فإذا كان المدعو مسلما عظم له الإسلام، وأبان له ظلم آل علي، وإن كان نصرانيا أو صابئا أو يهوديا استدرجه بعقائده إلى أن يجعله يعتنق فكرته.
وقد جعل الدعاة دعوتهم وكتبهم درجات على حسب المدعوين وقواهم العقلية؛ «فكتاب البلاغ الأول للعامة، وكتاب البلاغ الثاني لنفر أفضل من هؤلاء قليلا، والبلاغ الثالث لمن دخل المذهب سنة، والرابع لمن دخل المذهب سنتين، والخامس لمن دخله ثلاث سنين، والسادس لمن دخله أربع سنين، والسابع فيه نتيجة المذهب والكشف الأكبر.»
21
ويظهر أنه بمرور الزمن اضطروا إلى جعل الطبقات تسعا بدلا من سبع
22
تسهيلا للدعوة وتقريبا للأذهان، وإليك خلاصة أحوال هذه الطبقات التسع: (1)
يبدأ الداعي دعوته ويحذر في عرض آرائه على المدعو لئلا يشوش، ويحاول إثارة روح السؤال، وطلب الإجابة بشكل يجعله يقتصر فيه (أي في الداعي) سعة التفكير ورحابة الصدر وسمو العقل، وأول ما يبدأه، هو تأويل الآيات، ومعاني القرآن ومسائل الشرع مبينا له أن لظواهر الشرع باطنا، وأن من تمسك بالظواهر هلك، ومن كان على الباطنيين نجا، وأن الناس لن يضلوا ما تقبلوا علم الباطن من الأئمة الذين بعث بهم الله لهداية البشر، وأن «إمام الزمان» وصاحبه هو ممثل الله وصاحب علمه، وأن على المدعو أن يقسم أغلظ الأيمان على ولائه التام لصاحب الزمان، وعدم إفشاء أسرار الدعوة، والإخلاص للإسماعيلية، ومقاومة خصومها، ودفع الضريبة المطلوبة، وتسمى هذه الطبقة «طبقة الأزرق»، أو «التفرس» أي التفرس في تعرف شخصية المدعو وقوة استعداده لتقبل الدعوة وأسرارها. (2)
يعلم المدعو أن رضا الله ودخول جنته لا يكونان بمجرد اتباع ظواهر أحكام الإسلام، بل لا بد له من معرفة علم الباطن من الأئمة المنصورين بحفظ الشريعة، وتسمى هذه الطبقة «طبقة التأنيس»؛ أي إن المدعو يعلم ما يأنس به إلى الدعوة. (3)
يجب أن يؤمن بأن الأئمة سبعة، وأن خاتمهم هو محمد بن إسماعيل الذي أحاط بعلم الله وسره، وتسمى هذه الطبقة «طبقة التشكيك»؛ إذ فيها يبدأ بغرس فكرة الشك في قلب المدعو وزعزعة عقائده السابقة. (4)
يعلم المدعو أدوار النبوات السبعة، وطبيعة النبي الناطق، والأئمة الستة الصامتين الذين خلفوه، وأن محمد بن إسماعيل خاتم الأنبياء، وتسمى هذه الطبقة «طبقة التعليق»؛ أي أخذ القسم. (5)
يجب على المدعو أن يعلم أسرار العددين «7» و«12»، والحجج الاثني عشر الذين يسيرون دعوة كل إمام، وأن هؤلاء الحجج منتشرون في جزر الأرض الاثني عشر، وتسمى هذه الطبقة «طبقة الربط»، وأظن أن القوم قد أخذوا فكرة تقديس «العدد سبعة» أيضا من الفيثاغورثية التي قدست هذا العدد، وهم يجعلون التجليات سبعة: (1) الله. (2) العقل. (3) النفس. (4) المادة الأساسية. (5) القضاء. (6) الزمن. (7) عالم الأرض والبشر. وربما أطلق اسم السبعية على الإسماعيلية نفسها، ويمكننا أن نلاحظ أنها قد استقت بعض أفكارها الفلسفية من الفلسفة الغنوصية القائمة إلى حد كبير على الفلسفة الأفلاطونية الحديثة. (6)
يعلم المدعو تفسير معاني الشريعة الإسلامية والمقصود من كلمات: صيام وصلاة وزكاة وحج وطهارة وغير ذلك، ويفهم معاني: الجنة والنار والعذاب، وأن الاكتفاء بظواهر هذه هو للعوام والجهلة، أما الخواص فإنهم يعلمون علم الباطن المراد منها، وهو علم لا يؤتاه إلا من اطلع على كتب الحكمة والفلسفة، وهنا يحثه الداعي على قراءة كتب الفلسفة القديمة والحكمة الصحيحة، وتسمى هذه الطبقة «طبقة التدليس». (7)