وأما الخرمية:
فهي طائفة ترجع مبادئها إلى «مزدك» الإباحي أيضا، واسمهم مأخوذ من كلمة «خرم دينان» الفارسية، ومعناها الدين الفرح، وقد مزجوا بين تعاليم الإسلام والمزدكية، من تناسخ، واشتراكية في المال والنساء، والحلول، ومن زعمائهم خداشي الخرمي.
وأما البابكية:
فنسبتهم إلى بابك، وقد كانت حركة من أخطر حركات العقائدية التي قامت في إيران أيام العباسيين، وهي استمرار للحركة الخرمية،
7
والحق أن هذه الحركات كان لها غرضان رئيسان هما: هدم الإسلام أولا، وإرجاع الملك إلى الفرس ثانيا كما فصلناه في تاريخ العصر العباسي الأول من كتابنا هذا، وقد كانت حركتا الإسماعيلية والقرامطة في هذا العصر حركتين لهما تأثير كبير؛ فلذلك خصصناهما بالبحث. (2-2) الإسماعيلية
كان من نتائج الانحلال الذي منيت به الدولة في هذا العصر ظهور حركة الشيعة الإسماعيلية التي ابتدأت بالظهور منذ أوائل القرن الثاني للهجرة وقويت في القرنين الثالث والرابع واستمرت إلى ما بعد، حتى أيامنا هذه.
ولعل الأسباب التي مكنت تلك الحركة من الظهور يمكن إجمالها في النقاط العشرة التالية: (1)
ضعف سلطان الخلافة العباسية وتقلص نفوذها الزمني والديني تقلصا واضحا عن كثير من أجزاء المملكة. (2)
فشل «آل علي» في الوصول إلى الخلافة التي كانوا يأملون في الوصول إليها بعد انقضاء عهد آل أمية، ويبينهم خداع «العباسيين» لهم وعدم إعطائهم حقهم. (3)
فشل العناصر غير العربية في الوصول إلى أهدافهم التي أملوا الوصول إليها في عهد الدولة الجديدة، بعد أن عملوا على هدم الدولة الأموية أملا في أن يعيدوا نفوذهم القديم. (4)
خيبة آمال تلك العناصر غير العربية في الحكم العربي الذي لم يمكنهم، في العهد الأموي ثم في أوائل العهد العباسي، من استعادة تقاليدهم وسلطاتهم التي كانت لهم قبل الإسلام. (5)
انتشار الترجمة والتدوين وإحياء ذكر الحضارات والعقائد القديمة التي أحيت الغرور القومي عند الأمم المفتوحة غير العربية. (6)
انتشار الفلسفات القديمة، وبخاصة الفلسفتان اليونانية والسريانية، انتشارا جعل الناس يفتحون عيونهم وقلوبهم لمناقشة ما جاء به الإسلام والتطلع إلى آفاق جديدة بعيدة عن بساطة الإسلام. (7)
البعد عن روح الإسلام الحقيقية السمحة بانتشار الإسرائيليات والخرافات الفارسية وغير الفارسية، مما جعل العامة تتقبل بسهولة كل فكرة روحية غريبة. (8)
تدخل الخلافة تدخلا عمليا في عقائد الناس ومحاسبتهم عليها، والتضييق على من يعلن زندقة أو هرطقة أو انحرافا عن المذهب الرسمي للدولة وهو الإسلام وطريقة أهل السنة والجماعة، وخاصة حين أخذ المهدي والهادي يضيقان على الناس في محاسبتهم على عقائدهم، أو حين أخذ المأمون يحاسب الناس على عدم اعتناق مذهب المعتزلي القائل بخلق القرآن وغير ذلك، وبإنشاء «ديوان المحنة» لامتحان من أنكر تلك العقيدة. (9)
تبدل المجتمع الإسلامي من مجتمع زراعي وتجاري ساذج إلى مجتمع زراعي وتجاري معقد، ووجود طبقة أرستقراطية مالية، سواء أكان أهلها عربا أو موالي، وقد أحست الطبقات الفقيرة العاملة، من موالي وعرب، بالبؤس المحيط بها من جهة، كما أحس الأغنياء، من موالي وعرب بوجوب اتحادهم حماية لمصالحهم؛ فلذلك حصلت التكتلات من الجانبين، وكان لهذه التكتلات أثرها الواضح في الحركات العقلية والاجتماعية التي ترمي إلى توحيد أهداف المتذمرين على اختلاف نحلهم وعقائدهم وعناصرهم. (10)
تعقد الحياة، وظهور المغالاة في كل شيء من نواحيها؛ فبعد أن كانت في العصر الأموي عربية ساذجة، تعقدت في العصر العباسي جدا وبدا الغلو في كل شيء.
ولقد كان من نتائج هذه الأسباب أن نشأت في البيئة الإسلامية فئة من الرجال اتخذت ذلك ذريعة للقيام بحركة سترتها بفكرة «الانتصار لحق آل علي» واتخذتها وسيلة للدعاية لفكرتها، وقد اتخذ هؤلاء الرجال مدينة الكوفة مقرا لبذر فكرتهم؛ لأنها كانت مركزا فكريا وسياسيا تجمعت فيه الثقافات القديمة من كل صوب، وكل نوع، ولأنها كانت مقر نفر من الأئمة العلويين الذين أحيطت أسماؤهم بكثير من الروايات المتعلقة بمثل هذه الحركات في القديم، ويظهر أنه يمكن تقسيم العلويين الذين قامت حولهم هذه الحركات إلى فريقين: (1) فريق الحنفية. (2) فريق الحسنية والحسينية.