تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان أول هذه البلاد ثورة بلاد الجزائر؛ لأنها منيت بالاستعمار قبل الأقطار المجاورة الأخرى، وكان قائد هذه الثورة هو الفتى الشريف المرابط السيد عبد القادر بن محي الدين الحسني القرشي 1808-1883م، فإنه بعد أن حج وزار المشرق، وكان عمره وقتئذ لا يتجاوز الثانية والعشرين، ثم رجع إلى بلاده ورأى طغيان الفرنسيين، فأعلن الجهاد المقدس عليهم، وظل يحاربهم بلا هوادة حتى غدا اسمه في شمال أفريقيا «حامي الإسلام والعروبة ومنقذهما من براثن الاستعمار والنصرانية».

ثم تكاثرت عليه قوى الفرنسيين، واضطرته إلى الاستسلام بعد جهاد دام ستة عشر عاما 1831-1847م.

وما أن قضى الفرنسيون على عبد القادر حتى قامت ثورة السيدة لالا فاطمة سنة 1857م، ثم ثورة سي سليمان سنة 1864م.

ولم يستطع الفرنسيون أن يفرضوا سلطانهم الكامل على البلاد وفرض نظام الإداري عليها تماما إلا بعد سنة 1884م فأخمدوا كل نفس، وفرضوا على البلاد ضرائب باهظة أفقرتها، واستولى الفرنسيون المستعمرون على نصف مليون هكتار من الأرض الطيبة، إلى أن كانت الانتفاضة الأخيرة التي لا بد أن يلفظ الاستعمار الفرنسي أنفاسه فيها.

أما بلاد تونس: فإنها لقيت بعد الاحتلال الفرنسي عنتا وشدائد؛ لأن الفرنسيين أبقوا هيكل الحكم القديم، واضطروا الباي أن يتخلى عن واجباته الإدارية، وأخذوا يفسدون الحرث والنسل، حتى غدا أكثر من ثلث البلاد مقفرا لا زرع فيه ولا ضرع، وقد احتل البلاد بالإضافة إلى المستعمرين الفرنسيين جماعة من الإيطاليين الزراع والتجار، استولوا على كل شيء في البلاد، وأخذوا يعملون في حضارتها هدما، وعمد الفرنسيون إلى القضاء على الأوقاف والمدارس، ومعاهد العلم حتى أقفرت البلاد من المثقفين وعم الجهل والبؤس كافة أرجائها.

أما البلاد المراكشية: فإنها ظلت في منأى عن الاحتلال العثماني، ولكن الاستعمار الفرنسي الإسباني والبرتغالي مد مخالبه إليها، وحاول أن يفسد أوضاعها، ويقضي على حضارتها وثقافتها، ويهدم عرش أسرة بني سعد العلوية الحسينية أو أسرة بني فلال العلوية الحسينية، ولكنه لم يفلح إلى حد ما، وبقي قسم من البلاد المراكشية بمنأى عن أن تطاله يد الاستعمار؛ لأن ملوكها وضعوا ستارا حديديا بينهم وبين أوربا، فلم يسمحوا لدولها بالاختلاط بهم، ولا أذنوا لقناصلهم بالإقامة في بلادهم؛ لأنهم شاهدوا نتائج ذلك في البلاد المجاورة لهم كتونس والجزائر وطرابلس، وقد قسمت البلاد المراكشية إداريا إلى قسمين؛ أولهما: بلاد المخزن وهي المقاطعات الخاضعة لسلطان الحكومة، فتؤدي لها الضرائب، وتقدم لها الجنود، وثانيهما: بلاد السائبة وهي المقاطعات المستقلة ذاتيا وغير الخاضعة لنفوذ السلطان المراكشي، وكانت بلاد الأطلس كلها ضمن هذه المقاطعات المستقلة رغم إقرارها للسلطان اسميا.

وكان السلطان يمارس سلطانه بوساطة قواد يحملون لقب «باشا» ويقيمون في المدن الأربع الكبرى، وهي: فاس، ومراكش، ورباط الفتح، ومكناسة.

وقد كان من نتائج الاستعمار التركي ثم الأوربي في الشمال الإفريقي أن انحطت الحياة الثقافية والاجتماعية انحطاطا بارزا، ولولا المدارس الإسلامية القديمة، وحلقات الجوامع والزوايا، لعم الجهل وانتشرت الأمية.

وقد كانت لجامع الزيتونة والقرويين والكتبية أثرها الواضح في حفظ التراث العربي، والوقوف أمام سيل الجهالة الذي كانت دول الاستعمار تقذف به إلى البلاد كلها.

أما العلماء الذين نبغوا في المغرب العربي في هذه العصور فمنهم: المؤرخ أبو الحسن علي نور الدين بن موسى بن محمد بن عبد الملك المشهور بابن سعيد المغربي الغرناطي (؟-673ه)، وله «المغرب في حلى المغرب»، وهو من أمهات كتب التاريخ والأدب، وعنوان «المرقصات والمطربات» في الأدب و«نشوة الطرب» في تاريخ الجاهلية.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٨٥