تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما في حقل العلوم الطبيعية والفلكية والرياضية: فقد كان نصيب المغاربة نصيبا وافرا، فقد ازدهرت هذه العلوم في ديارهم ونقلوها إلى الأندلسيين الذين ظهر منهم علماء أجلاء كالقرطبي المجريطي (؟-1007م)، والرزقالي الطليطلي (؟-1087م)، وجابر بن أفلح الإشبيلي (؟-1150م)، وريموند المرسيلي (؟-1140م)، ونور الدين أبو إسحاق البطروجي (؟-1204م) تلميذ الفيلسوف ابن الطفيل.

وفي حقل التاريخ الطبيعي والصيدلة والطب نبغ نفر من المغاربة كان من أبرزهم أحمد بن محمد الغافقي (؟-1165م) الذي ألف معجما نفيسا أحصى فيه نباتات الصيدلة والطب والعطارة مما ينبت في إسبانية وشمال إفريقية، وقد سمى كل نوع منها بالعربية واللاتينية والبربرية، وذكر فوائد كل نبات ووصفه وصفا علميا دقيقا، ويعتبر كتابه هذا من أدق ما ألف في اللغة العربية، وله أيضا «الأدوية المفردة».

ومن العلماء المغاربة البارزين: عبد الله بن أحمد المشهور بابن البيطار، وهو أشهر علماء النبات والصيدلة في الأندلس والمغرب، ويعتبر كتابه «المفردات» أجل كتاب علمي في النبات والصيدلة والطب.

ومنهم أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي (؟-1013م)، وكان طبيبا للحكم الثاني، وهو صاحب كتاب «التصريف لمن عجز عن التأليف» الذي أورد فيه معلومات عن التشريح والجراحة، كان هو أول من اخترعها، وبخاصة ما يتعلق بمباحث كي الجروح وسحق الحصاة في المثانة وتشريح الأعضاء الميتة والحية، وقد نقل كتابه هذا إلى اللاتينية العالم الطبيب جرار الكرموني، وطبع عدة مرات أقدمها طبعة سنة 1497م في البندقية، ثم طبعة سنة 1541م في مدينة بازل، ثم طبعة سنة 1778م في أكسفورد.

وقد كان هذا الكتاب من الكتب العلمية التي لعبت دورا خطيرا في تاريخ علم الجراحة في معاهد الطب الأوربية.

ومنهم الطبيب العالم ابن زهر عبد الملك بن أبي العلاء (؟-1162م) صاحب أكبر شخصية علمية طبية برزت في الأندلس والمغرب العربي، وطبيب عبد المؤمن مؤسس دولة الموحدين، الذي أثنى عليه الفيلسوف ابن رشد وقال عنه إنه «أعظم طبيب عرفه العالم بعد جالينوس.»

وقد خلف للخزانة العربية آثارا جليلة في الطب منها كتاب «التيسير في المداواة والتدبير» الذي نقل إلى العبرية، ثم إلى لهجة البندقية العامية، ثم إلى اللاتينية في سنة 1280م وطبع مرارا، وكتاب «الكليات» في الطب، وأنجب عبد الملك بن زهر جماعة من الأطباء الفحول داموا ستة أجيال متواليات.

وكما أتقن المغاربة والأندلسيون هذه العلوم والآداب، أتقنوا فنون الهندسة والزخرفة والبناء والنسيج، وخلفوا قصورا رائعة في الحمراء وغرناطة ومراكش وفاس وتونس والقيروان.

وقد ظلت آثار هذه الحضارة في دول المغرب العربي من مراكش حتى برقة إلى أن جلا العرب عن الأندلس، فلما نزلوا المغرب العربي، وهاجر إليه من هاجر من العلماء والأدباء والفنانين والبنائين ازدادت جذور الحضارة عراقة في الشمال الإفريقي إلى أن وقع الاحتلال العثماني فالاحتلال الأوربي، وأخذت وطأة الاستعمار تفتك بالأهلين وتعمل فيهم يد التخريب والتجهيل.

الفصل الثامن

| الحالة الإدارية في المغرب العربي

لما احتل العثمانيون المغرب العربي في القرن العاشر للهجرة، السادس عشر للميلاد، أضحت بلاد الجزائر محكومة من قبل «داي» وبلاد تونس محكومة من قبل «باي» وطرابلس الغرب محكومة من قبل «باشا»، يقومون بالحكم في بلادهم تحت النفوذ العثماني مع شيء من الاستقلال الإداري والمالي، وكانت الإدارة تسير في البلاد كلها من سيئ إلى أسوأ، وطمع الأجانب من فرنسيين وإسبانيين وبرتغاليين وإيطاليين في السيطرة عليها واحتلالها، وكان ما كان من احتلال جزء كبير منها على ما أطلعناك عليه في الكتاب الأول من هذا الكتاب.

ولما ضاق الناس ذرعا بالحكام الأجانب المحتلين وبأذنابهم من الحكام المحليين من بايات ودايات وباشات عزموا على الثورة على هذا النظام.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٨٤