13
وقد ظلت هذه المدرسة إلى الأعصر المتأخرة معهدا يتلقى فيه طلاب العلم الفقه وعلوم الدين إلى أن اضمحلت في العهد العثماني، ومن المدارس التي شيدت في عهد الشريف حسن بن عجلان مدرسة ياقوت الغياثي، فقد ذكر صاحب الأعلام أنه قدم الحجاز في سنة 811ه واشترى دارين بقرب باب أم هانئ وهدمهما وجعلهما مدرسة ورباطا للصوفية، وجعل في المدرسة مدرسين من أهل المذاهب الأربعة، وستين طالبا، ووقف عليهم الوقوف.
14
وهناك بعض الأمراء والمماليك والأشراف الذين شيدوا دور علم وكتاتيب ومدارس، وقد ظلت هذه الدور المنبع العلمي الوحيد الذي كان يستقي منه أهل الحجاز.
ومن الأمور الجديرة بالذكر أن بعض الأسر العلمية الحجازية كبني فهد المكيين وبني ظهيرة المدنيين كانوا كثيرا ما يهتمون بتعليم علوم الدين، وقد جمع صاحب كتاب «النور السافر» تراجم نفر من الأفاضل الذين أفادت البلاد منهم في هذه الحقبة، وإذا كانت هذه حالة الحجاز، وهو قلب الجزيرة العربية، فما قولك بحالة بقية أنحاء الجزيرة مثل نجد واليمن وحضرموت؟ الحق أن الجهالة كانت متفشية، ولولا الأئمة العلويون الذين كانوا في اليمن والذين كانون يهتمون شخصيا بالعلم الديني بعض الاهتمام لكانت الحالة أسوأ، ولكنهم كانوا رجالا أفاضل يهتمون بالناحية العلمية، فعمموا حلقات الفقه، وأكثروا من دروس العربية، وكذلك كانت حالة نجد والأحساء فقد انتشر فيها الجهل وعمت الفوضى، ولولا اهتمام أئمة نجد بأمور الدين لظلت تلك البلاد أيضا في جهالة، ولكن ظهور المصلح محمد بن عبد الوهاب التميمي (؟-1115ه) في نجد قد أنقذ الموقف، وأحيا معالم الدين، وسعى إلى نشر العلم بكل قواه، وأعاد إلى نجد ما كان عليه في صدر الإسلام من حركة تهذيبية وأخلاق إسلامية.
الفصل السابع
| الحالة الثقافية والاجتماعية في المغرب العربي
كان للحضارة الأندلسية أثر كبير في الحالات الثقافية والاجتماعية بأوربة منذ القرون الوسطى، وكذلك كان الأمر في المغرب العربي، فقد ازدهرت الثقافة ازدهارا رائعا في كافة أقطار المغرب من علوم وآداب وفنون بفضل الحضارة الأندلسية.
ولعل وقوع المغرب العربي بين بلاد الشام ومصر إلى الشرق، وبين بلاد الأندلس وأوربة إلى الشمال قد حباها مزية لم تتمتع بها بقعة من بقاع الدنيا العربية؛ ولهذا نجد للحياتين الثقافية والاجتماعية طابعا خاصا رائعا يجمع طابعي الغرب والشرق.
وقد كان لملوك الطوائف وبخاصة بني عباد والمرابطين والموحدين أثر واضح في طبع الثقافة المغربية بطابع خاص.
ولقد لعب أدباء المغرب العربي وعلماؤه من مسلمين ونصارى دورا هاما في تاريخ الحضارة العالمية؛ إذ إنهم نقلوا الحضارة العربية إلى أوربة، وترجموا كثيرا من الكتب العربية إلى اللغات الأوربية كاللاتينية والإسبانية والبرتغالية، ومن أجل هذه الكتب كتاب «كليلة ودمنة» الذي نقل إلى الإسبانية، ثم إلى اللاتينية بقلم عالم مغربي من أصل يهودي، ومن هذه الترجمة أفاد «لافونتين» كثيرا في أمثاله وأقاصيصه، وهناك كتب الطب والفلسفة التي نقلوها، وأفاد منها الغرب الأوربي في حضارته الفلسفية والعقلية.
وكان من أعمال المغاربة من ناحيتي الثقافة والصناعة: ازدهار صناعة الورق في المغرب العربي، وقد كانت هذه الصناعة من أجل الصناعات التي أسداها المغرب إلى أوربة، ولولاها لما اخترعت الطباعة، فقد انتقلت صناعة الورق من مراكش إلى إسبانية في منتصف القرن السادس للهجرة، الثاني عشر للميلاد، ويذكر ياقوت الحموي أن هذه الصناعة كانت مزدهرة في مدينة شاطبة الأندلسية في زمانه، ومن إسبانية انتقلت إلى إيطالية ما بين سنتي 1268-1276م، وكان هذا بفضل المغاربة من سكان جزيرة صقلية، ومن إيطاليا انتقلت إلى ألمانيا فسائر مدن أوربة، وفي ألمانيا وجدت الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر للميلاد بفضل وجود الورق، ولولا الورق لما وجدت المطبعة، ولولا المطبعة لما وجدت الحضارة الأوربية الحديثة.