تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يهود هذا الزمان قد بلغوا

مرتبة لا ينالها فلك

الملك فيهم والمال عندهم

ومنهم المستشار والملك

يا معشر الناس قد نصحت لكم

تهودوا قد تهود الفلك

فانتظروا صيحة العذاب لهم

فعن قليل ترونهم هلكوا

وقد جرى على اليهود من المصاب عند قتله والوقيعة بهم ما لا يحصيه قلم أو يسعه كتاب.

8

كل هذه النكبات حلت بالعراق من جراء تساهل السلطان أرغون وواليه على العراق قطلغ شاه، وقد ظلت هذه الفظائع تحل بالشعب المسكين حتى هلك سعد الدولة اليهودي، وقتل قطلغ شاه، ومات السلطان أرغون في سنة 690ه.

ففي تلك السنة مات أو سم أرغون خان وجلس كيخاتو خان على سرير المغول، وكان صاحب أهواء وفسق عجيبين، كما أنه كان مسرفا شديد الإسراف، وقد لقيت البلاد منه شرا مستطيرا فقلت الأموال وانعدم النضار واللجين من أيدي الناس حتى إنه اضطر إلى أن يصدر عملة ورقية عرفت باسم «الجاو»، فقد ذكر المؤرخ وصاف في تاريخه أن في هذه السنة 693ه وضع صدر الدين صاحب ديوان الممالك بتبريز، عاصمة الإمبراطورية المغولية، «الجاو» وهو كاغد مستطيل الشكل عليه ختم السلطان (تمغة) عوض السكة على الدنانير والدراهم، وفي أعلاه كلمة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وأمر الناس أن يتعاملوا به، وقد حبب بعض الشعراء هذه العملة للناس، وجعلها فاتحة خير ويسر، واتخذوا الصنعة دار سك، كما سموا بعض الموظفين لطبعه وتمغه،

9

وقد كانت هذه العملة الورقية الجديدة متنوعة القيم من العشرة دنانير إلى الدرهم ونصف الدرهم وربع الدرهم، وقد لقي الناس كثيرا من المصائب بسببها واضطربت أحوالهم بها جدا، حتى كان الرجل يضع الدرهم في يده تحت «الجاو» ويعطيه الخياط أو اللحام، ويأخذ حاجته خوفا من أعوان السلطان.

وفي عهد كيخاتو تولى العراق الأمير جمال الدين الدستجرداني، فكان أول عمل قام به هو أنه جمع أموالا جمة من الأهلين، كما أنه أخذ كثيرا من السلاح والكراع منهم وتوجه به إلى مقر السلطان، فاستحسن السلطان ذلك منه، وأقره على ولايته، وأعاده إلى العراق مع أمير مغولي يدعى ينطاق ليتولى إدارة الأمور معه.

وفي سنة 694ه، عزل كيخاتو الأمير جمال الدين وولى محله شمس الدين محمد السكورجي التركستاني، وكان رجلا حازما عاقلا مدبرا، فأحسن تصريف الأمور وأزال عن الناس بلواهم، وصرف عن أهل العراق ما كان حدده عليهم جمال الدين الدستجرداني من الضرائب الظالمة، والمكوس الكبيرة، ولما هلك السلطان كيخاتو في سنة 694ه، وتولى بايدو خان عزل السكورجي عن العمل وأعاد الدستجرداني إلى العراق، فكان أول ما صنعه هو أنه عمد إلى جمع أموال الناس واستصفائها، وأخذ الضرائب الديوانية، كما طلب من التجار بعض أموالهم على وجه المساعدة، وسار بما جمعه من الأموال إلى السلطان بايدو خان فأكرمه هذا غاية التكريم، وأنعم عليه بلقب «مدبر الملك»، وكان بايدو خان عاتيا ظالما فتآمر عليه أمراؤه وشتتوا شمله وولوا محله السلطان محمود غازان بن أرغون في سنة 694ه، وكان رجلا مسلما حازما داعية للإسلام بين المغول، ذا سيرة طيبة، فلقي العراق في عهده شيئا من الهناء والراحة والأمن، وخصوصا حينما زار بغداد في المحرم من سنة 696ه/1297م، فقد روى المؤرخون أنه توجه إلى العراق بجيش كبير، وأنه لم يؤذ أحدا من الأهلين، كالعادة حين يدخل المغول العراق، بل كان هو وجنده لا يأخذون من أحد شيئا من ماله إلا بالابتياع الشرعي، والكرامة واللطف، وما ذلك إلا لأن السلطان غازان كان شديد المراقبة لجنده، ولما دخلوا بغداد لم يجلوا أحدا عن داره بالقوة، كما كان يفعل السلاطين السابقون، بل أحسنوا معاملة الناس، وأول ما قام به السلطان حين دخوله بغداد هو زيارته للمدرسة المستنصرية الكبرى، وإكرامه لطلابها وأساتذتها، وكان لا يصدر في جميع أعماله إلا عن فكر صائب ورأي حازم على صغر سنه، ولم يؤخذ عليه شيء من العنف والطيش والبطش خلال سلطانه الذي دام عشر سنوات سوى شدته في حرب بلاد الشام، فقد كانت حروبا طاحنة لقيت الشام منها ويلات على ما سنبينه بعد.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٧