تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

وقد لقيت هذه الرسالة أذنا صاغية من الملك المنصور، فكتب إليه أن يوادعه، وهكذا استتب الأمن في الشام وعادت التجارة إلى سابق عهدها فترة غير قصيرة، وعاد الأمن والسلام إلى العراق في هذه الفترة التي كان يتولى أموره فيها حاكم عالم عاقل هو الصاحب علاء الدين عطاء ملك الجوني،

6

ثم من بعده ابن أخيه الصاحب شرف الدين هارون بن الصاحب شمس الدين الجوني، فقد كان كل منهما على جانب من العلم عظيم، كما كان بارعا بالإدارة وحسن التصرف، ولولا الفتنة التي وقعت بين السلطان أحمد وبين أرغون خان لاستراح الناس قليلا، ولكن هذه الفتنة أزعجت الناس إلى أن قضي على السلطان أحمد، وتم الأمر لأرغون خان، فأول ما قام به هو أنه عهد في 10 جمادى الأولى سنة 683ه/1284م إلى أخيه أروق بإدارة شئون العراق، فسار إليه وقبض على الصاحب شرف الدين هارون وجماعته وقتلهم بعد أن عاملهم شر معاملة واستخلص أموالهم، ثم رحل عن العراق وأناب عنه فيه الأميرين عز الدين الإربلي ومجد الدين إسماعيل بن إلياس، وطلب إليهما أن يهتما بجمع الضرائب وإدارة الأمور وتصريفها، وقد قاسى أهل العراق وبغداد خاصة ويلات شدادا من كثرة غلاء القوت وانتشار الأمراض، ومن جراء تحكم سعد الدولة بن الصفي اليهودي الحكيم، الذي كان يتولى أمور الإشراف على ديوان العراق، وكان يهوديا خبيثا داهية استطاع ببراعته في علم الطب أن يتوصل إلى هذه الوظيفة السامية ويتحكم في رقاب الناس، وظل الأمر على هذا الحال إلى أن تولى أمور العراق «قطلغ شاه» في سنة 686ه/1287م، فأول عمل قام به هو أنه طلب من السلطان إبعاد هذا اليهودي الخبيث عن عمله، فأبعد عنه، ولكنه رحل إلى «الأردو» حيث يقيم السلطان وسعى للتقرب منه والخلوة به، فكان له ما أراد، ثم أرسله السلطان إلى بغداد، فلما وصلها أراد أن يتقرب من الناس، ويستعيد مكانته، فكتب إلى السلطان يقول له: إن «قطلغ شاه» قد فرض على الناس أموالا على سبيل الاقتراض، وثقل عليهم في استيفائها، وإن الناس قد ضاقوا ذرعا به، فأمره السلطان بإسقاط ما قرره على الناس من القروض، وحمد الناس لصفي الدين هذه المنقبة، ثم توصل على استعادة وظيفته وهي الإشراف على ديوان العراق، ثم زادت مكانته حتى سمي «صاحب ديوان الممالك العراقية»، وسمى أخاه فخر الدولة، ومهذب الدولة نصر بن الماشيري اليهودي ليقوما بأعمال الديوان، وأمر بالقبض على زين الدين الحظائري ضامن التمغات، وعلى مجد الدين إسماعيل بن إلياس ضامن أعمال «الحلة» ونائب الديوان ببغداد، بعد أن اتهمهما بالاختلاس، وصادر أموالهما، وشهرهما في السوق ثم قتلهما، وكان الزين الحظائري من محاسن الزمان، عالما فاضلا أديبا جوادا،

7

ولكن هذا المجرم اليهودي حنق عليه فقتله أشنع قتلة.

وقد ظل نجم سعد الدولة اليهودي في صعود حتى إنه بعث بأخيه أمين الدولة حاكما للموصل وما إليها، وكان شريرا فأساء إلى الناس، وضاقوا به وبأخيه ذرعا حتى إنهم اجتمعوا في المساجد يحملون على اليهود ويدعون عليهم، واجتمع نفر من أعيان الناس وكتبوا محضرا يتضمن طعنا في سعد الدولة وأهل بيته وأعوانه من اليهود، وضمنوا هذا المحضر طرفا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تنص على أن اليهود قوم أذلهم الله، وأن من يحاول إعزازهم أذله الله، ورفعوا ذلك إلى السلطان أرغون، فبعث السلطان بالمحضر إلى سعد الدولة، وحكمه في الذين وقعوا في أدناه، ولكنه خاف مغبة الفتك بهم فلم يؤاخذ واحدا منهم، سوى أنه صلب جمال الدين بن الحلاوي ضامن تمغات بغداد، واضطرب الناس لهذه الحادثة وسكنوا فترة حتى إذا أجمعوا أمرهم قاموا بثورة عنيفة أحرقوا فيها دور اليهود، ونهبوا أملاكهم، ولم تسلم من هذا العمل مدينة من مدن العراق، وفتك الناس بسعد الدولة وإخوته، وكثير من أعيان اليهود وأوباشهم؛ لأنهم أساءوا التصرف، وعاملوا الناس شر معاملة، وبخاصة سعد الدولة فإنه أضر بالمسلمين وبنفقات جوامعهم وأوقافهم، فتألم الكل منه، ومما قيل من التألم منه ومن توقع زواله:

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٦