أما أعماله العمرانية فكانت كثيرة في العراق وإيران من حفر للترع والأقنية والأنهار، وبناء للحدائق والربط والمدارس، وإشادة لدور العلم والحديث والقرآن، والجوامع، ومكاتب الأيتام، قال الأستاذ عباس العزاوي: «وعلى كل حال كانت خيراته عميمة، وعماراته في العراق والخارج كثيرة، واتخذ له مدفنا في ظاهر تبريز، وهو ما تعجز العبارة عن بيانه، وجعل فيه من أبواب البر ما لا يوصف من مدرسة، وخانقاه، ودار الحديث، ودار القرآن، ومستشفى، ومكتب للأيتام، وله عمارات أخرى منها رباط سبيل في حدود همذان، ومن أهم إصلاحاته أن لا يصدر «برليغ» أو «بايزه»
10
إلا بنظام خاص، وأصدر «برليغا» في إصلاح المرافعات، وانتخاب القضاة، والاعتناء بالعدل، وتثبيت ما يجب أن تسير عليه المحاكم، ومراعاة مرور الزمان في القضايا وفي ملكية العقارات، وتوحيد الموازين والمكاييل، وقرر العقوبات على من يظهر في حالة السكر في المحال العامة، ومنع التعديات على التجار والمارة باسم «تسيير» أو «أجرة محافظة طرق»، إلى آخر ما هنالك من المآثر الجميلة النافعة.»
11
ومن أعظم مآثره حسن ترتيبه الأعمال الإدارية في العراق، فقد كانت البلاد في عهد أسلافه من السلاطين المغول طعمة لمن يختارونه من الرؤساء والولاة والنواب والقضاة، وكان الأهالي يلقون من جراء ذلك تعديا فادحا، وقد كان السلطان «يضمن» البلاد إلى الوالي أو الرئيس أو النائب على مبالغ معينة يؤديها إليه، فإذا جاء هذا الوالي أو الرئيس أو النائب إلى البلاد عسف وظلم، وجمع من الضرائب أضعاف المبلغ المطلوب، فيبعث ما يبعث ويستبقي لنفسه ما يريد، ويلقى الأهلون في ذلك من الويلات أشدها، فلما جاء غازان منع ذلك كله وفرض على الناس ضرائب محددة ضمن القواعد الشرعية، وأوجب على واليه أن يأخذها من الناس على أقساط، وفي مواعيد معينة،
12
وفي عهد غازان قضي على البدو الذين كانوا يعيشون في البوادي والديار العراقية، ولا تكاد تخلو سنة من سني تاريخ العراق في هذه الحقبة من ثورة يقومون بها أو غارة يغيرونها، وقد كانت الفتكة التي فتكها بهم في سنة 698ه درسا قاسيا ومؤدبا.
هذا موجز ما مر على العراق من حوادث في القرن السابع للهجرة بعد سقوط الخلافة العباسية، ويرى المتأمل أن العراق كان في حالة فاسدة، ولم يكن هذا الفساد منحصرا في النواحي السياسية والإدارية وحسب، بل كان عاما في كافة مرافق الحياة من اجتماعية ودينية وأدبية وعلمية، وسنرى تفصيل هذا في الفصل الخاص به.
وإذا كان العراق قد فقد الخلافة ومظاهرها وما تستتبعه من تكاليف، فإن الولاة والحكام - وأكثرهم من الفرس أو المغول - كانوا يحاولون التشبه بهذه المظاهر ويفرضون على الناس من سوقة وعامة وخاصة أن يلبوا طلباتهم، ويعطوا عن يد وهم صاغرون. أما حالة الشعب العامة فقد كانت - كما رأينا - جد سيئة في الغالب، ولم تكن حال أهل الذمة - من نصارى ويهود - أحسن حالا من المسلمين، بل كان الكل سواسية في تحمل ظلم هذا السلطان العاتي، غير أن اليهود بدهائهم وخبثهم وحيلهم كانوا يستطيعون - على قلة عددهم - التسلط على نفوس الحكام، والوصول إلى قلوبهم، ويستتبع هذا جر المغانم إليهم، وفرض نفوذهم على الآخرين.
الفصل الثاني
| العراق في القرن الثامن للهجرة
أطل القرن الثامن على العراق ومحمود غازان هو سلطان على إيران والعراق، وهو طامع في السيطرة على الديار الشامية، وطرد المماليك المصريين منها، وقد تم له فتح قسم من بلاد الشام، وكان يطمع في فتحها كلها وضمها إلى مملكته، ولكن جيشه كسر في سنة 702ه/1302م، وقتل منهم مقتلة عظيمة، كما أسر منهم جماعات، وقد اهتم غازان لهذه الحادثة كثيرا فلحقته من ذلك حمى حادة، ومات مكمودا،
1
وكان قد أوصى بالملك من بعده لأخيه السلطان ألجايتو، فتولى الأمر في الثاني من ذي الحجة سنة 703ه، وكان أول عمل قام به هو أنه أعلن إسلامه وتسمى محمدا وتلقب بغياث الدين خدابنده ومعناها «عبد الله»، ثم انصرف إلى ترتيب أمور ممالكه وخاصة العراق، فإنها قد كانت مضطربة بعد الكسرة التي مني بها الجيش المغولي في الديار الشامية.