وفي اليوم الجمعة تاسع صفر سنة 656ه دخل هولاكو المدينة وقصد دار الخلافة واستدعى إليه الخليفة، فقدم عليه وهو مندهش ذاهل، فقال له هولاكو: طب نفسا ولا تضطرب. ثم طلب إليه أن يظهر ما لديه من الثياب والأموال والرياش والكنوز، ففعل، وكانت أشياء لا يقدر ثمنها نفاسة مما كان الخلفاء الأقدمون قد ادخروه منذ تأسيس الخلافة العباسية، فاستولى هولاكو على ذلك كله، وأمر بحمله إلى ركابه.
وترك بغداد لفساد هوائها من كثرة الجيف وانتشار الأوبئة والأمراض، وطلب إلى بعض رجاله أن يتولوا الإشراف على الخليفة ويسيئوا معاملته هو وأهل بيته، ثم يقتلوهم جميعا ويقضوا على البيت العباسي، وهكذا فعلوا حتى إذا كان يوم 14 صفر سنة 656ه قتل الخليفة وأولاده الثلاثة، ثم في اليوم التالي قتل جميع الأمراء العباسيين والعلويين حتى لم تبق منهم باقية.
وهكذا زالت الخلافة العباسية التي استمرت من يوم 12 ربيع الأول سنة 132ه/749م إلى أوائل صفر سنة 656ه/1258م، وبزوالها زال الحكم العربي وانقرضت الخلافة العباسية، ونتج من هذا نتائج جد خطيرة لا في العراق وحسب، بل في العالمين الإسلامي والعربي كما سنرى تفصيل ذلك بعد.
ولما استقر المغول في بغداد خضعت لهم كافة الديار العراقية، وعهد هولاكو إلى الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي آخر وزراء الدولة العباسية بأن يهتم بشئون بغداد وما إليها، وقد استعان مؤيد الدين بطائفة من رجالات الإدارة في العهد العباسي، فأعاد فخر الدين بن الدامغاني صاحب الديوان السابق إلى وظيفته، وعهد للأمير علي بهادر بوظيفة الشحنة، وللأمير نجم الدين أحمد بن عمران بكافة الأعمال الشرقية، ولتاج الدين علي بن الدوامي بالأعمال الفراتية، وللقاضي نظام الدين عبد المنعم بالقضاء، ولعز الدين بن أبي الحديد بالكتابة، ولطائفة أخرى من رجالات العهد الماضي بالوظائف الكبرى الأخرى، فأخذت الطمأنينة تعود شيئا فشيئا إلى البلاد، واستطاع من بقي من الناس أن يفتشوا عن أموالهم وأعمالهم، وشرع الموظفون ورجال الإدارة الجدد بترميم ما يمكن ترميمه من المساجد والمدارس والربط والقصور والدور والجسور والشوارع والأسواق.
وصفوة القول: أن المحتل لم يبدل نظام الحكم - كما هي السنة - بل استبقى الحالة على ما هي عليه، وحفظ التراتيب الإدارية على سابق عهدها، إلا أنه جعل رئاسة الأمور مربوطة دائما برؤساء من المغول يرجع إليهم الوزير ممن دونه، ويتصرفون بالبلاد كما يوحي إليهم، واستمر الوزير ابن العلقمي في عمله وسيطا بين المغول وأهل البلاد حتى هلك في جمادى الأولى من السنة نفسها، فخلفه ابنه عز الدين أبو الفضل في منصب الوزارة، وسار بالناس سيرة أبيه، ولم يأت بشيء جديد سوى أنه طلب إليه أن يحصي أهل بغداد فأحصاهم، وجعل عليهم أمراء ألوف، وأمراء مئات، وأمراء عشرات، وقرر على كل إنسان - ما خلا الأطفال والشيوخ - مبلغا مسمى من المال يدفعه في كل سنة، واستمرت هذه الضريبة حتى أزالها الوزير الذي جاء من بعده، ولم يطل عهد ابن العلقمي فهلك وله من العمر أربعون عاما في سنة 657ه، فخلفه الوزير علاء الدين عطاء ملك الجوني في ذي الحجة سنة 657ه، وجعل علاء الدين عمر بن محمد القزويني معاونا له، وقاسى الناس في هذه الفترة ويلات من تأدية الضرائب الكثيرة التي كانت تفرض عليهم، وتؤخذ منهم بالقوة.
وفي هذه الفترة جاء العراق موفدا من قبل هولاكو العالم نصير الدين الطوسي للتفتيش على أحوالها، والبحث عن أمور أوقافها وأحوال أجنادها ومماليكها، وقد جمع في أثناء رحلته هذه كثيرا من الكتب العلمية وأخذها من العراق، وكان أكثر هذه الكتب متعلقا بعلوم الفلك والرياضيات لعزمه على إقامة رصد في مدينة «مراغة» تنفيذا لأمر هولاكو، وقد أقام في العراق مدة وهو يفتش مصالحها، ثم رحل إلى «مراغة» حيث يقيم هولاكو، ولما عاد نصير الدين من رحلته هذه قدم تقريرا مفصلا عن أحوال البلاد العراقية، وبين لهولاكو سوء الحالة وفساد السياسة الخرقاء التي تسير عليها الولاة، فوعده بعد تلاوته بإصلاح الحالة، ولكنه فوجئ بالمرض وهلك في ربيع الآخر سنة 663ه، ولم يقم بأي إصلاح، واستمرت الفوضى حين ولي ابنه إباقا خان، فعهد بالعراق إلى الصاحب علاء الدين عطاء ملك الجوني، وأوصاه بحسن السيرة، والعمل على تعمير البلاد، وإحياء المدارس والربط، وإصلاح شئون الحج، ففعل الجوني ذلك كله، واطمأن الناس على أنفسهم وأموالهم بعض الاطمئنان، وفي سنة 667ه/1268م زار إباقا خان بغداد لمراقبة الحالة عن كثب، ثم خرج منها وقد رتب الأمور، ثم عاد إليها ثانية في سنة 672ه/1273م ومعه جمهرة من القواد والعلماء، وعلى رأسهم النصير الطوسي، ففتش المصالح الديوانية، وأمر بالإصلاح والإحسان وتخفيف الضرائب عن كاهل الناس، وكتب ذلك على حيطان المدرسة المستنصرية الكبرى، وطلب إلى النصير الطوسي أن يتصفح أحوال الأوقاف وشئون طلاب العلوم والمتصوفة، ثم زارها للمرة الثالثة في سنة 680ه/1281م ليكون قريبا من الشام، حيث بعث بأخيه الأمير «منكوتمر» مع جيش عظيم لفتح الشام ومصر، وقد بلغه أن صاحب دمشق الأمير «سنقر الأشقر» قد فتك بجيشه فتكا ذريعا، فطلب إلى الباقية أن تعود من الشام إلى العراق، ولما وصلوا العراق ودخلوا بغداد لقيت الأهالي منهم بلاء عظيما إلى أن رحلوا عن بغداد في أواخر هذه السنة قاصدين إيران، ولما وصلوا إلى «همدان» مرض هناك إباقا خان وأحس بدنو أجله، فعهد بالأمر بعده لابنه أرغون، ولكن الأمراء اجتمعوا على تسليم الأمر إلى الأمير تكودار بن هولاكو، وقد كان أول من أسلم من أولاد هولاكو وتسمى باسم أحمد، فقام بالأمر أحسن قيام، ونظم حالة العراق وكتب إلى السلطان الملك المنصور الألفي صاحب الشام ومصر رسالة يقول له فيها: «إن الله سبحانه حبانا بالأبلخانية، وأمرنا بالعدل وحقن الدماء، فإن أردت الموادعة فنحن نكف عسكرنا عن قصد بلادك، ونفسح للتجار في السفر كيف شاءوا، فإن فعلت ذلك، وإلا فعين للقتال موضعا، واعلم أن الله سبحانه يطالبك بما يسفك بيننا من الدماء.»