وفي سنة 1083ه اجتمع الأشراف ومن بينهم الشريف أحمد بن محمد الحارث، وجاء حسن باشا معلنا ولاية الشريف بركات بن محمد، ففرح الناس بذلك لما كان يتحلى به وهنئوه بالشرافة، واطمأن الوضع في أيامه، وكان موضع ثقة الباب العالي، قال صاحب خلاصة الأثر: وحظي عند السلطنة، وكان مقبول الكلمة عندهم لما كان لكثيره من مداراتهم، وكان كثير الإحسان للأشراف كثير التعطف بهم، وتقووا في زمنه وقويت شوكتهم وكثرت أموالهم، وبسبب ذلك بقي كبار الأشراف وصغارهم تحت طوعه، وحمدت طريقته، وأمنت في زمنه السبل، وربحت التجار، وانتظم الأمر خصوصا للحجاج.
وقد ظل على سيرته الحميدة هذه إلى أن توفي سنة 1094ه، فتولى بعده ابنه الشريف سعيد، وألبسه القاضي خلعة الاستمرار بموجب أمر السلطان الذي بيده، والذي يتضمن كونه ولي عهد أبيه، ولم ينازعه أحد من الأشراف، ثم وصلته خلعة الاستمرار من صاحب مصر، ووردت بعدها من السلطان العثماني، ولم تمض فترة حتى جاءت إرادة سلطانية من إستانبول تقضي بجعل الولاية أرباعا؛ ربع للشريف سعيد، والأرباع الثلاثة الباقية لسائر الأشراف، فوقعت الاختلافات بينهم وفسدت أمور البلاد، وصار عبيد كل شريف وجماعته يجمعون الأموال، ولاقى الناس منهم بلاء عظيما، واستمرت هذه الحالة إلى أن حان وقت الحج، فاجتمع الشريف سعيد وحاكم مكة القائد أحمد بن جوهر وأمير الحاج الشامي وأمير الحاج المصري، وتداولوا هذا الأمر فلم يصلوا إلى قرار تستتب به الأوضاع، وزاد الفساد واضطرب حبل الأمن وانقطعت السبل، ولم يعد يأمن الناس على أنفسهم من السير بعد الغروب، وكثرت القتلى والتعديات، وازدادت أضرار عبيد الأشراف ومماليكهم وجماعاتهم، وفسد الأمر حتى اضطر الشريف سعيد أن يرسل إلى الباب العالي ترجمانه، ويذكر فساد الحالة في مكة، وأنها خربت، فمن الواجب إرسال جند نظاميين يضبطون أحوالها، فلما بلغ الترجمان إلى الباب العالي شاور السلطان أولي الأمر، وكان في الأستانة يومئذ الشريف أحمد بن زيد، فتم الاتفاق على إرساله إلى مكة، وذهب في مطلع عام 1095ه فاستأنس الناس به، وعادت المياه إلى مجاريها شيئا فشيئا؛ لما كان يتمتع به من الحزم والعقل، وظل في الولاية إلى أن مات في سنة 1099ه فاجتمع أركان البلاد واتفقوا على إقامة ابن أخيه الشريف سعيد بن سعد، فعارضه بذلك الشريف أحمد بن غالب، ووقعت فتنة بين الاثنين انتهت بانكسار الشريف أحمد وجماعته، واضطر إلى أن يفر إلى اليمن، أما الشريف محسن فإنه دخل مكة في فجر عام 1101ه وأخذت تأتيه رسائل من الشريف أحمد كلها تهديد وإنذار، كما أتت رسائل إلى أعيان الحجاز ومنها تهديد وإنذار بغارة قوية أثناء الموسم، وذاع خبر هذه الرسائل بين الناس فاضطربوا لها، وترقبوا زحف الشريف أحمد بن غالب مع جماعات من اليمن،
11
ولم ير الشريف محسن بدا من الاستنجاد بصاحب مصر، ولكن لما مضى موسم الحج ولم يجئ أحد تبين للشريف محسن أن الرسائل مكذوبة من بعض الأشراف في الحجاز فهدأت الحالة.
وفي سنة 1102ه تفرقت كلمة الأشراف في الحجاز، وخرجوا إلى الطرقات العامة، وأكثروا النهب والسلب وبخاصة في جهات جدة، واشتدت الحالة على الناس حتى أجمع أمرهم أخيرا على الكتابة إلى السلطان يشكون إليه سوء الحالة وما يقع من الأشراف، وأن العساكر السلطانية لا تطيع أوامر الشريف لتهدئة الحالة، فلم يكترث الباب العالي للأمر، واضطر الشريف محسن أن يتنازل للشريف سعيد بن سعد في سنة 1103ه، فتولى الشرافة للمرة الثانية فسار سيرة عنيفة لا يهاب سلطانا ولا يخضع لقانون، ولم يلبث قليلا حتى جاءه الفرمان من الباب العالي بإقراره في الشرافة، وقد وقعت في البلاد فتن كثيرة من جراء قسوته وسوء معاملته للناس والأشراف، ولما ضج العامة من سوء تصرفه رأى العقلاء أن يكتبوا للباب العالي باستبداله، فوردت عليهم البشائر بتفويض أمر الديار الحجازية لأبيه الشريف سعد بن زيد وأن يكون ابنه الشريف سعيد نائبا عنه، فهدأت الأحوال هدوءا نسبيا.