تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 1105ه كثر الأشقياء والمفسدون في البلاد فانقطعت الطرق وتفاقم الأمر حتى اضطر الشريف سعد أن يعس في الليل بنفسه مع العساكر إلى أن انقطعت أسباب الفتن، ولم تهدأ الحالة إلا حين جاءت الأخبار بأن الشريف أحمد بن غالب قد هجم على مدينة القنقذة واستولى عليها، وأنه في طريقه إلى مكة، فاستنجد الشريف سعد بالباب العالي فبعث إليه بجيش عليه إسماعيل باشا ومعه محمد باشا صاحب جدة، ولما علم الشريف أحمد بقدومهما كتب إلى الشريف سعد يعلمه بخضوعه للدولة وأنه قادم للحج، وهدأت الأحوال من جديد إلى أن وقعت واقعة بين الشريف سعد وبين محمد باشا صاحب جدة، فكتب هذا إلى الباب العالي يطلب عزل الشريف وتولية الشرافة لعبد الله بن هاشم، ووافق الباب العالي على ذلك، ووقعت حروب وفتن طويلة بين الجانبين انتهت بانهزام الشريف سعد وتولية الشريف عبد الله، وكان هذا على جانب من الحزم والسياسة، وقد أراد أن يسير بالبلاد سيرة رشيدة، ويقضي على الفتن والثورات كما يقضي على سلطة الأشراف، ولكنه لم يلبث أن هلك في سنة 1113ه بعد أن قضى أربعة أشهر في الحكم، فلما مات طلب الأهلون من الباشا أن يكفيهم شر الشريف أحمد بن غالب الذي أعلن العصيان والفتنة، وبعث يتهدد وجهاء الأهلين، فقال لهم الباشا: دعوا الأشراف يجمعون على واحد منهم يتولى شرافة البلاد، فقالوا له: كيف يمكن لهؤلاء الناس أن يتفقوا على واحد وكل فرد منهم يطمع في هذا المنصب، والرأي الصواب هو أن يعود الشريف سعد، وهكذا كان، فقد دخل الشريف سعد إلى مكة وتولاها للمرة الثالثة، واستقرت الأمور فترة، ثم عاد الأشراف إلى فتنتهم السابقة، مطالبين برواتبهم وجامكياتهم ومعاليمهم مدعين بأن الشريف سعدا قد حرمهم من ذلك، وساروا نحو الطائف يعيثون فيها فسادا، فضاق بهم الشريف سعد ذرعا، ثم استدعى رؤساءهم وأعطاهم ما يريدون، فهدأت الحالة بعد أن لقي الناس منها عناء كبيرا.

وفي أواخر عام 1113ه رأى الشريف سعد أن يتخلى عن منصبه لابنه سعيد، وكتب بذلك إلى الباب العالي في الأستانة، فجاءته الموافقة، واستقرت الحالة بعض الشيء إلى أن كانت سنة 1115ه فانتفض الأشراف على الشريف سعيد، وتدخل أبوه بينه وبينهم فلم يقبلوا، وبعثوا بعبيدهم ومماليكهم يفسدون في الأرض، وينهبون الأموال ويقطعون السبل، فعاد الشريف سعد للسعي بين ابنه وبينهم وتم له ذلك، وتعهد بأن يدفع لهم من ماله بعض استحقاقاتهم فقبلوا ذلك على شريطة أن يتغاضى عما وقع منهم من أعمال السلب والنهب، فلم يرض الشريف سعد إلا بمحاسبتهم على أعمالهم التي اقترفوها وإقامة الحد الشرعي ورد ما سلبوه، فلما علموا بذلك خرجوا من مكة إلى أن حان الموسم، وأرادوا أن يعبثوا بالحجاج فتصدى لهم سليمان باشا أمير جدة، ونهاهم عن الفساد، ووعدهم بأعطياتهم على شريطة أن يحفظوا الطرق ويؤمنوا قوافل الحجيج، وأبلغ الشريف في مكة ما تعهد لهم به، فوافق الشريف على ذلك، ولكنهم لم يلتزموا ما تعهدوا به.

وقضى الحجاج مناسكهم وهم في غاية الخوف، ولم يستطع أهل مكة أن يحجوا ذلك العام؛ لأنهم خافوا من الأشراف ومماليكهم الذين شيعوا أنهم سيدخلون مكة ويفتكون بأهلها، ثم إن الشريف بعث إليهم يستدعيهم، فأرسلوا إليه وفدا، وتناقشوا واتفقوا على إنهاء هذه الفتنة التي طال أمدها في محرم سنة 1116ه، ولكن لم يمض وقت طويل حتى عاد الأشراف وعبيدهم ومماليكهم إلى ما كانوا عليه من الفساد، وكيف يستقيم قوم جعلوا الشر ديدنهم والفساد طويتهم، وهم يدعون أنهم أبناء الرسول

صلى الله عليه وسلم

وأنهم رحماء بينهم، وأنهم حملة الخير والحكمة والاستقامة وحفظ الدين؟! وقد كان بلاؤهم في هذه المرة شديدا، وتداخل الجند والأسباهية والانكشارية والأعراب في الحرب واشتد سعيرها، واضطر الشريف سعيد إلى إرسال الوسطاء، وتعهد بدفع مشاهرات الأشراف، فلم يقبلوا وعزموا على الثورة بعد أن ولوا أمورهم الشريف عبد المحسن بن أحمد بن زيد، ووقعت معركة كبيرة بين الطرفين حتى احتمى جماعة الشريف سعيد بمكة، وضاق عليهم الأمر، واضطر الشريف إلى الهرب بنفسه، ودخل الثوار مكة، وأجبروا الشريف سعيدا على أن يتنازل لابن عمه الشريف عبد الكريم بن محمد، وأقره على ذلك جميع الأشراف ما عدا الشريف سعيدا وأباه سعدا؛ فإنهما خرجا مغاضبين، وأخذا يجمعان الأعراب حولهما لمحاربة الشريف عبد الكريم وجماعته، فتمكنا من الاستيلاء على مكة، وتسلط الشريف سعد من جديد على ولاية الحجاز للمرة الرابعة، ولكنه لم يلبث في هذه المرة إلا أياما حتى عاد الشريف عبد الكريم فتغلب عليه، وهلك الناس مهلكة عظيمة من جراء هذه المآسي حتى قتل في إحدى المعارك التي وقعت بين الطرفين نحو من ألف ومائتي رجل،

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٥٥