6
واستمر الشريف بركات في إمارته حتى سنة 931ه وفيها هلك فتولى الديار الحجازية ابنه الشريف محمد أبو نمي وله عشرون سنة، وكان فتى حازما ذا علم وفضل، وقد فرح الناس بتوليه لما كان عليه من الخلق الوديع، وفي سنة 945ه أشرك السلطان العثماني معه في الولاية ولده الشريف أحمد، وفي سنة 949ه قدمت ميناء جدة مراكب إفرنجية تحاول الاستيلاء عليها، فتوجه إليهم أبو نمي في جمع كبير وجيش قوي تعاضده بعض المدفعية، واضطر المراكب الفرنجية على العودة خاسرة،
7
وفي سنة 958ه وقعت فتنة بين أبي نمي وبين أمير الحج العثماني محمود باشا، فقد سولت نفس الباشا له أن يقبض على أبي نمي لما رآه من نفوذه، ولكن أبا نمي تغلب عليه، ووقعت كارثة كبيرة، وكاد الأعراب أن يفتكوا بالحجيج، ولكن أبا نمي تدارك ذلك بالحكمة، وبلغت هذه الأخبار إلى الباب العالي في إستانبول فكتب السلطان إلى أبي نمي معتذرا عما فعل الباشا، وفي سنة 974ه طلب أبو نمي إعفاءه من الولاية لكبر سنه ولرغبته في الانقطاع للعبادة، فقبل السلطان طلبه وجعل الشريف حسنا مستقلا بالأمر في مكة وجدة والمدينة وينبع وخيبر وسائر مدن الحجاز ونجد.
وفي سنة 993ه مات أبو نمي، وقد دامت ولايته على الحجاز استقلالا ومشاركة اثنين وسبعين سنة وهي أطول مدة حكمها حاكم في الحجاز،
8
وقد سار ابنه الشريف الحسن بالبلاد سيرة حسنة، وفي سنة 1010ه توجه لإخماد ثورة في نجد فمات هناك، وتولى الولاية من بعده ابنه الشريف أبو طالب، وكان فتى شجاعا حازما طهر البلاد من المفسدين، وضرب على أيدي الأعراب وأهل الفتن، وظل في الولاية إلى أن مات سنة 1012ه.
فتولى من بعده أخوه الشريف إدريس أبو عون، وكان شجاعا فاتحا، امتدت فتوحه إلى أقصى شرق الجزيرة حتى بلغت الأحساء، وفي سنة 1034ه اجتمع بعض الأشراف والعلماء والفقهاء في الحجاز، وتدارسوا الأوضاع ورأوا أن الشريف إدريس لم يعد صالحا للبقاء في الولاية فطلبوا إليه أن يعتزل ويولي ابن أخيه الشريف محسنا، وكتبوا بذلك إلى الباب العالي فأقرهم على ذلك،
9
ثم وقعت فتنة بين الأشراف فانقسموا فريقين، واضطر الشريف محسن أن يفر إلى اليمن حيث لاقى حتفه في سنة 1038ه وتولى الأمر من بعده الشريف أحمد بن عبد المطلب بن الحسن، وفتك بكثير من جماعة الشريف محسن ومنهم المفتي الشيخ عبد الرحمن بن عيسى المرشدي، وساءت سيرة أحمد بالناس، وضاقوا به ذرعا، ولما قدم «قانصوه» باشا قاصدا اليمن بلغته أخباره فعمد إلى الحجاز وقتل أحمد في سنة 1039ه وعمل على توطيد الأمن فيها وتولية الشريف مسعود بن إدريس مكانه، وكان جوادا كريما حسن التدبير، ولكنه لم يلبث طويلا حتى مات في سنة 1040ه فتولى بعده الشريف عبد الله بن حسن بن أبي نمي، جد الأشراف المعروفين بآل عون، وقد أجمع الأشراف على ولايته فأقرتهم دار الخلافة على ذلك،
10
ولكنه لم يلبث أن خلع نفسه في سنة 1041ه تعففا وديانة، ونزل عن الولاية لولده محمد، فلم يلبث محمد أن مات، فقام ابنه محمد بأعباء الولاية خير قيام.
وفي عهده جرت وقعة الجلالية، وخلاصتها: أن عسكر اليمن خرجوا على طاعة «قانصوه» باشا، وذهبوا إلى القنفذة، فاستمالهم الشريف ناجي بن عبد المطلب وذهب بهم إلى مكة، فلما بلغوا حدودها بعثوا كتابا إلى الشريف محمد يطلبون الإذن لهم بدخول مكة فرفض الشريف محمد ذلك، وبينما كانوا يتأهبون للقتال أقبل عليهم الجنود العثمانيون، والتقى الجمعان، وقتل من الطرفين مقتلة عظيمة، وكان من القتلى الشريف محمد نفسه، فتولى الأمر من بعده في سنة 1041ه الشريف نامي، وما أن استتبت له الأمور حتى أرسل إلى دلاور آغا أمير جدة يطلب إليه أن يسلمه الثغر فأبى، وكانت معركة كبيرة بين الطرفين، نهبت فيها جدة، واضطرب حبل الأمان في الحجاز كله ، فقام الشريف زيد بن محسن بثورة عنيفة مستعينا بجماعة من الجنود المصريين الذين قدموا مع المحمل المصري، واضطر نامي أخيرا إلى الهرب من مكة، فلحق به الجنود وقتلوه وحرقوه وأذروه رمادا، واستقرت الأمور لزيد، وكان حاكما عادلا فاضلا، وفي عهده ورد أمر سلطاني من إستانبول بمنع الحجاج الإيرانيين من الحج والزيارة، ونادى المنادي في السابع عشر من ذي الحجة سنة 1047ه بوجوب خروج الحجاج الإيرانيين من بين جموع الحجاج المسلمين، وظل زيد في الولاية إلى أن مات في سنة 1077ه فاختلف أولاده على الولاية، وكادت أن تقع فتنة كبيرة بينهم، فتدخل في الأمر عماد الدين أفندي التركي شيخ الحرم، واستقرت الأمور على أن يتولى الشريف سعد بن زيد على أنه قائم مقام أخيه محمد يحيى، ثم وقعت فتن كثيرة بين الأشراف، واضطرب أمر البلاد، وبخاصة في سنة 1079ه، فقد عم الجزيرة ضنك شديد، وأصابتها سنة قاحلة اضطر الناس فيها إلى أكل لحوم الكلاب والقطط والرمم، ولما ورد الحاج الشامي قدم معه الوزير حسن باشا، وقد فوضت إليه الدولة أمر جدة ومشيخة الحرم والنظر في شئون مكة، وما أن وصل إلى المدينة حتى أغراه الناس بجماعة الشريف سعد فأراد الفتك بهم، فثار الشريف عليه، ثم سويت الأمور حتى وصل حسن باشا إلى مكة واتفق مع الشريف سعد، وسارت الأوضاع العامة سيرة حسنة، وفي سنة 1082ه رجع حسن باشا إلى الحجاز، ولما بلغ جدة أعلن أنه قادم لتنحية الشريف سعد وتولية الشريف أحمد بن محمد الحارث، فوقعت فتنة كبيرة بين جماعة الشريفين، واضطر الشريف سعد إلى مغادرة البلاد، واللجوء إلى الديار الرومية.