تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 688ه ولى السلطان قلاوون على الحجاز الشريف جماز بن شيحة أمير المدينة فدخل مكة بعد أن طرد أبا نمي، ولكن هذا استطاع أن يجيش جيشا من أنصاره ومن الأعراب، وأن يهجم على مكة ويفتك بمن فيها، واستمر أبو نمي مستقلا بمكة إلى سنة 701ه وكأنه قد أحس بثقل الأيام على كاهله فنزل عن الملك لولديه حميضة ورميثة، ولم يلبث بعد ذلك حتى مات بعد أن حكم الديار المقدسة نحوا من نصف قرن استقلالا أو بالمشاركة مع أبيه وعمه.

ولما حج بيبرس في سنة 702ه، وكان أيامئذ أميرا على الكرك، اشتكى إليه الشريفان عطيفة وأبو الغيث ابنا أبي نمي أنهما مظلومان فولاهما على مكة، ونفى حميضة ورميثة إلى مصر، ولكنهما لم يلبثا أن عادا إلى مكة في سنة 703ه أميرين، فسارا بالناس سيرة حسنة أول الأمر ثم أخذا يظلمان الناس، ولم ينقذهم منهما إلا أبو الغيث بن نمي الذي قدم في سنة 713ه بجيش من المصريين فهرب حميضة وأخوه إلى اليمن، ودخل أبو الغيث إلى مكة، ثم بعث سرية إلى اليمن للفتك بحميضة ورميثة فلم تظفر بطائل، ولما رجع العساكر المصريون إلى مصر رجع حميضة من اليمن، وانتزع مكة، وقتل أبا الغيث في أوائل سنة 714ه، واستقل بمكة حتى أخذها أخوه رميثة منه، واضطر حميضة أن يفر إلى العراق لاجئا إلى السلطان خذابنده، فأكرمه، ثم حسن له حميضة أن يزحف على الحجاز ويستولي عليها؛ لأن من يستولي على البلاد المقدسة ينال شرفا عظيما، فجهز خذابنده جيشا في عشرة آلاف، وبعث الشريف حميضة معهم، وبينا كانوا في الطريق هلك خذابنده فاضطرب أمر الجند وتفرقوا، وعزم حميضة على أن يسير بنفسه فلم يصل إلى الحجاز حتى لم يبق معه إلا نحو ثلاثين فارسا، فكتب إلى أخيه مستعطفا طالبا إليه الإذن بدخول مكة، فاعتذر رميثة وكتب إلى سلطان مصر الملك الناصر يستأذنه بذلك فلم يسمح له بدخول مكة، بل قال له: إذا أراد المجيء إلى مصر قبلناه ولا يسمح له بدخول مكة، وبعث السلطان إلى الشريف حميضة بالأمان، فلم يقبل حميضة بالسفر إلى مصر، وذهب إلى قبائل الحجاز مستنصرا فأعانته على الدخول إلى مكة في سنة 718ه فدخلها وخطب لأبي سعيد بن خذابنداه؛ فغضب الملك الناصر، وبعث بجيش لجب فقتل حميضة.

وفي سنة 719ه حج الملك الناصر صاحب مصر، وولى على الديار المكية الشريف عطيفة بن أبي نمي، واستمر إلى سنة 721ه، وفيها وقع قحط كبير بالحجاز فتوجه عطيفة إلى مصر، فرسم السلطان الملك الناصر بنقل الحبوب والبقول إلى الحجاز، ورتب لمكة كل سنة شيئا من القمح يحمل إليها من الصعيد على شريطة أن يسقط أمير مكة المكوس والضرائب التي يفرضها على الحجيج.

وفي سنة 734ه طلب إليه السلطان أن يشرك معه أخاه رميثة في الحكم فقبل، ووقعت بعد ذلك منافسات بين الأخوين، واستمرا يتناوبان الحكم فيها إلى سنة 737ه، وفيها اعتقل السلطان عطيفة بمصر إلى أن مات سنة 743ه واستقل أخوه رميثة في الحكم إلى سنة 745ه وفيها نزل رميثة لولديه ثقبة وعجلان عن الحكم.

وفي سنة 751ه حج الملك المجاهد صاحب اليمن فوقع بينه وبين الشريف عجلان فساد، فأغرى الشريف المصريين فقبضوا على الملك المجاهد وهو بمنى، فقيدوه وذهبوا به إلى مصر، وفسدت أحوال الحجاج ولقي الناس أهوالا وويلات شدادا.

وفي سنة 760ه استدعى السلطان الناصر حسن ملك مصر الأميرين ثقبة وعجلان إلى مصر، فلم يلبيا دعوته، فعزلهما وولى الشريف سند بن رميثة ومحمد بن عطيفة، وجهز جيشا كبيرا لنصرتهما، وفي سنة 761ه وقعت فتنة بين الجيش المصري والأشراف، وقتل كثير من المصريين، وأسر كثيرون وبيعوا بيع الرقيق في ينبع، حتى إذا بلغت هذه الأخبار إلى صاحب مصر غضب وجيش جيشا كثيفا لقتال الأشراف واستئصالهم، وقال: لا حاجة لنا بهم، ولم يلبث السلطان أن عزل وتولى مكانة السلطان الملك المنصور محمد فعهد للشريف عجلان بإمارة الحجاز، ودخلها ثم شاركه في الحكم ابنه أحمد، وجعل له ربع المتحصل، واستمر عجلان وابنه في الحكم إلى سنة 764ه ثم انفرد بها أحمد لسؤال أبيه له، وذلك على شروط؛ منها: أن لا يقطع اسمه في الخطبة والدعاء بأعلى زمزم، وكان أحمد شجاعا منظما جماعا للأموال والخيل والنفائس حتى قالوا إنه جمع ما لم يجمعه أحد قبله من الأموال والخيول.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٥٠